يوفر كتاب (النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في الدول العربية)، الذي اشترك فيه مجموعة من الباحثين العرب، قيمة معرفية مهمة، ويسد ثغرة في المكتبة العربية. ذلك كونه يقدم حلقة وصلة بين المؤثرات السياسية والأداء الاقتصادي، المرتبط بالإداري والمؤسساتي، وبدراسات تقف على حلقات وصل أخرى، بين المجتمع المدني والتنمية، وبين السياسة الإقليمية والسياسية المحلية.
وكذا بين الأمن والتنمية. ويأتي صدور الكتاب في ظل ظروف التغييرات والتحولات المهمة التي أحدثها ربيع الثورات، في عدد من الدول العربية، منذ بداية 2011. وهو يعالج الأبعاد السياسية والاجتماعية، بما فيها قضايا العمالة والبيئة والتحرير الاقتصادي ومساهمة المجتمع المدني في عملية التنمية، وكذا المسؤولية الاجتماعية للشركات. ويمثل الكتاب أبحاثاً علمية قُدمت إلى مؤتمر متخصص عقده المركز العربي للأبحاث في سنة 2012.
يتألف الكتاب من عشرة فصول، يتضمن الأول ورقة لتوفيق حسنين إبراهيم، بعنوان «الأبعاد السياسية لأزمة التنمية الإنسانية في الوطن العربي.. دراسة في تأثيرات التسلطية السياسية في عملية التنمية». إذ يرى فيها غياب الدولة القوية في واقع تتماهى فيه الدولة مع النظام الحاكم، أو بالأحرى مع الشخص الحاكم، ويجري توظيف أجهزتها ومؤسساتها لحساب النخبة الحاكمة والفئات الاجتماعية الضيقة التي تدور في فلكها. ويجد أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين عدم فاعلية وكفاءة السياسات التوزيعية والطبيعة التسلطية للنظم الحاكمة.
يناقش أحمد بعلبكي، في الفصل الثاني للكتاب، المدلولات الأخرى التي انطوت عليها القضية الإشكالية في الكتاب. ويدعوها: «الباراديغم»، ذلك في إطار عرضه إشراك المجتمع المدني في العملية التنموية، متصدياً لتعريف المجتمع المدني الذي تختزله الأدبيات إلى المنظمات غير الحكومية، بينما تستثني النقابات والاختزال والتجمعات المهنية والأطر المجتمعية الأخرى.
وذلك خلافاً لمفهوم المجتمع المدني. إذ إنه، كما نشأ في الغرب وفي سياق تعاقدي وتفاوضي بين الدولة والمجتمع، قائم على القوانين في الدولة الحديثة، وإن اختلف سياقه في الدول الفقيرة. كما يتناول عبدالرحمن التميمي في ورقته، المعنونة بـ«الخصخصة في ظل المشاريع السياسية والإقليمية.. دراسة حالة قطاع المياه»، قضية الخصخصة وما تتعرض له في تكييف المجتمع والاقتصاد مع المشروعات السياسية والإقليمية، وللتخفيف من حدة التوتر وإدماج الاقتصادات.
ويبحث الفصل الرابع، للكاتب أحمد أبوزيد، عبر ورقته«التنمية والأمن.. ارتباطات نظرية»، في امتدادات حقل الدراسات الأمنية لتلازم هذه الدراسات مع مصطلح التنمية من جانب، ومستويات الأمن الثلاثة الأخرى «الأفراد والدول والنظم» من جانب آخر.
وتفسر كريمة كريم، في الفصل الخامس، بورقة لها، عنونت بـ«دراسة مقارنة للفقر في ثلاثة دول عربية منخفضة ومتوسطة ومرتفعة الدخل: اليمن ــ مصر ــ البحرين»، أن الفقر هو المعلم الأكثر.
أما الدراسة في الفصل السادس من الكتاب، فهي للباحث حسن ضايض، فيخلص فيها إلى أن الفقر هو نتيجة للتخلف المتولد في الدرجة الأولى من الاختيارات السياسية المتوالية، التي أدت إلى تفاقم الشروخ الاجتماعية بين البوادي والمدن وبين الفقراء والميسورين. وأنه لا يمكن الخروج من حالة الفقر هذه، ما لم تدمج في تنمية اقتصادية أُسسها متنوعة ومتعددة.
ويعالج عبدالعزيز عبدالباقي، في الفصل السابع، موضوع البطالة، من خلال ورقة حول تحديات البطالة في مصر، إذ يتوصل فيها إلى نتائج تُظهر أن السياسة الاقتصادية والتنموية المتبعة في مصر، بتجاهلها البعد الجغرافي في الخطط الإنمائية، أدت إلى تركز البطالة في مناطق مصر العليا وإقليم الدلتا، بينما تركزت الاستثمارات في إقليمي القاهرة والإسكندرية.
كما ترى صباح الحلاق «الفصل الثامن»، في ورقة عن آثار التمييز بقوانين الأحوال الشخصية في مشاركة النساء في عملية التنمية المستدامة في سوريا، أن من أهم المعوقات، الوضع القانوني للتمييز ضد المرأة. و يحيلنا عمار جلول، في فصل اخر يعالج المسؤولية الاجتماعية للشركات، إلى التحول المهم الذي نقلها من حالة اهتمامات تطوعية وحاجات كمالية لتزيد من مقبولية الشركات وسمعتها إلى حالة تنظيم قانوني.
ويختتم الكتاب بدراسة لإسراء يوسف ذنون وخالد غازي التمي، بعنوان «أهمية الوعي التكاليف البيئية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة»،.
الكتاب: »النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في الدول العربية.. الأبعاد السياسية والاجتماعية«
المؤلف: مجموعة من الباحثين
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - الدوحة - 2013
الصفحات: 559 صفحة
القطع: الكبير

