يدرس كتاب «مدحت باشا»، لمؤلفه قدري قلعجي، حياة مدحت باشا وقصته مع سلاطين بني عثمان، مبيناً أنه جاء إلى الدولة العثمانية وحاول إصلاحها بعد أن دبّ الفساد فيها، ودعا إلى الديموقراطية وحكم بالدستور والمساواة بين المواطنين، ودعا إلى الحرية والعدل، وكان يريد دولة عصرية كأوروبا، آنذاك.
ويبين المؤلف أن مدحت باشا ولد في اسطنبول سنة 1822 م / 1238 هـ. وكان أبوه، الحاج حافظ محمد أشرف قاضياً شرعياً مستنيراً، فأدخله إلى الديوان الهمايوني وتعلم الخط الديواني الخاص بهذا القلم. وتردّد على جامع الفاتح، وهناك تعلم اللغة العربية، وأتقن لغة الفرس، وقرأ أدبهم وتاريخهم.
يشير مؤلف الكتاب إلى أن مدحت باشا عمل في أحد أقلام الحكومة، وما لبث أن أخذ يتقدم باطراد.. ومن ثم أرسل إلى بعض الولايات للنظر في شؤونها والتحقيق في شكاواها من ظلم الولاة، فكشف التحقيق الذي أجراه عن فضائح جسيمة أدت إلى عزل والي سلسترة ووالي البلغار وأعوانهما، ثم تجوّل بنفسه في هذه الأنحاء معيداً إليها السكينة، مطلقاً سراح الثوار بعد أن أجابهم إلى مطالبهم المشروعة وأخذ عليهم المواثيق بالمحافظة على الأمن.
وكافأه السلطان عبدالحميد بمنحه رتبة الوزارة سنة 1860 م، ووالياً في الصرب وبلغاريا. وانتقل سنة 1870 إلى ولاية بغداد، وشرع يبادر إلى توطيد دعائم الأمن، ثم ينثني إلى الشؤون الداخلية فيصلح إدارة الحكومة وينظم المحاكم.. وأنشأ أول مطبعة في بغداد وأصدر فيها جريدة «الزوراء»، وأنشأ معمل الحديد، وأسس مدرسة الصنائع وغير ذلك الكثير.
ثم اتجه إلى اسطنبول، بعد أن نشأ فيها صراع بين دعاة التجديد وأنصار القديم. وانقسمت البلاد إلى معسكرين، معسكر مدحت باشا ومن حوله أحرار الفكر وأرباب الحرف والصناعات وفريق من العمال الواعين، ومعسكر السلطان عبدالعزيز ومن ورائه الحاشية والمقربون.
ظلّت الأحوال الداخلية والخارجية تسير في الدولة العثمانية من سيئ إلى أسوأ، وكان رجال الحكم يرون بوادر التذمر تسري بين جماهير الشعب فيحاولون قمعها بالإمعان في الظلم. إلى أن ثار مدحت باشا نفسه، على رأس الناقمين من أفراد الشعب الذين احتشدوا في جامع السلطان محمد الفاتح، ثم ساروا في تظاهرة صاخبة إلى الباب العالي، وهم يرددون بسقوط الصدر الأعظم محمود نديم. فما كاد الأخير يشاهد تلك الجموع الغفيرة حتى لاذ بالفرار. وعيّن السلطان، مدحت باشا صدراً أعظم وعزل محمود نديم من الصدارة. وعقب ذاك، تألفت عصبة عرفت باسم «الأحرار»، اعتزمت خلع السلطان عبدالعزيز..
وفي مرحلة لاحقة، وفي ليلة الثلاثين من أيار سنة 1876 م، أوقظ الأمير مراد وأخرج ليصبح سلطان البلاد، وأتاح هذا الانقلاب لمدحت باشا، تأليف مجلس شورى برئاسته، فعكف مع زملائه على رسم المشاريع لوضع أنظمة الدولة، وتطهير دوائر الإجراء والجباية من المتلاعبين، وتأسيس المصارف الزراعية في مراكز الولايات.
والغرض الأساسي من الانقلاب كان في إعلان الدستور. وفي صبيحة يوم الأحد في 5 نيسان 1876 م، انتحر عبدالعزيز. وإثرها رمى السلطان مراد بنفسه في الحوض بثيابه، ما أدّى إلى افتضاح أمره وانتشار خبر جنونه في الأستانة.
وكان مدحت باشا يجتمع بعبدالحميد سرّاً منذ بدأ مرض السلطان. وصرح عبدالحميد بأنه يرغب في وضع دستور يخول الشعب سلطة أوسع من التي نصّ عليها الدستور المعروض عليه، وزاد على ذلك أنه مستعدّ للتنازل عن العرش متى استعاد أخوه قواه العقلية، وقيل إنه أعطى مدحت باشا صكاً خطياً تضمن جميع هذه العهود.
ولم تدم صدارة مدحت باشا في عهد السلطان عبدالحميد سوى 48 يوماً، وفي اليوم الرابع والعشرين من شهر كانون الثاني سنة 1877 م، أقيل من منصبه ونفي عن بلاده إلى الطائف، وظل اسم مدحت باشا رمزاً للحرية وللاستشهاد في سبيلها.
المؤلف في سطور
قدري قلعجي، كاتب وباحث سوري، أنجز عدداً من الدراسات والكتب المتخصصة في تاريخ الدولة العثمانية ورجالاتها.
الكتاب: مدحت باشا
المؤلف: قدري قلعجي
الناشر: وزارة الثقافة دمشق 2012
الصفحات: 192 صفحة
القطع: صغير
