ينطلق كتاب «النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة»، لمؤلفه الدكتور إبراهيم الحيدري، من محاولة إعادة الاعتبار إلى الروح النقدية العقلانية وقيم التنوير، انطلاقاً من أن النقد هو المحرك الأساسي لعملية التطور والإبداع والتغيير الاجتماعية. يعرض الحيدري لتطوّر الفكر النقدي في أول تجلّياته في الفلسفة الإغريقية، مروراً بالحركة التنويرية التي عرفها الفكر الإسلامي في العصر الوسيط.
ثم يتوقّف ملياً عند الملامح الرئيسية لعصر التنوير الأوروبي وأعلامه. ويخلص إلى أن رفض الحداثة يعني رفض الحرية والعقلانية والمساواة الاجتماعية. يتضمن الكتاب مقدمة وسبعة فصول وملاحق. إذ يبدأ بإطلالة على الأبعاد التاريخية والاجتماعية والفلسفية لمفهوم النقد ونظرياته المتعددة في الفكر الإغريقي والإسلامي، خاصة في عصر النهضة وتطور العلوم والآداب والفنون.
ثم يعالج موضوع النقد كنزعة عقلانية لم تحقق نوعاً من الاستقلالية إلا بعد دخول الأفكار التأملية الرشيدة مكان الأفكار التقليدية القديمة، بعد أن تحول النقد إلى «جدل عقلي» ثم إلى نشاط متميز للعقل، باعتباره تحكيماً عقلانياً. وهذه الفكرة بالذات هي نتاج خالص لعصر التنوير الذي شكل منعطفاً تاريخياً حاسماً في تاريخ الحضارة الأوربية، ورسخ المبادئ العقلانية التي لا تزال تتحكم في الغرب، حتى الوقت الحالي.
ويشير المؤلف إلى أن عصر التنوير أنتج أول ثورة في الفلسفة الحديثة. إذ أحدثت آراء ديكارت تيارات فلسفية عقلية وتجريبية مهدت الطريق لظهور النقد على المسرح الفكري. إذ أصبحت عنده سيرورة معرفية وفعالية فكرية ومنهج نقدي، خضعت له جميع ظواهر الكون والحياة.
كما أنتج عصر التنوير تيارات فكرية ومذاهب سياسية ونظريات اجتماعية وفلسفية، كان في مقدمتها فلسفة التاريخ وفلسفة القانون ونظريات العقد الاجتماعي. كل ذلك مهد الطريق لقيام الثورة الفرنسية.
أما في الفصل الثالث، فيبحث الحيدري نشوء وتطور النظرية النقدية في علم الاجتماع والثقافة والفلسفة، التي اتخذت في ما بعد، اسم «مدرسة فرانكفورت».
ويتعرض الحيدري إلى الوجودية والبنيوية، وما بعد البنيوية، باعتبارها إشكاليات لتحدي الحداثة، منطلقاً من أن ما بعد الحداثة، مشروع تمرد فكري وعملي على مشروع الحداثة.
وفي الفصل السادس يبحث موضوع الإسلام والحداثة، منطلقاً من أهمية عصر النهضة في العصر الإسلامي الوسيط، الذي وضع أسس مشروع تحديث وتنوير وتقدم اجتماعي، وطرح إشكالية الفكر الاجتماعي والفلسفي النقدي التي مثلت نزعة إنسانية أخذت بالتطور.
ويوضح الحيدري أن فشل مشروع النهضة على أسس حديثة، كان بسبب الظروف والشروط الموضوعية والذاتية التي أعاقت تغيير البني الفكرية والمجتمعية، إذ بقيت أسيرة النظم الاستبدادية والسلطة الأبوية - البطريركية والعقل الماضوي غير النقدي، التي أبقت على سؤال الحرية مبتوراً، الذي يشكل جوهر النهضة والحداثة.
كما يتطرق الحيدري في كتابه، إلى إشكالية الإصلاح والتحديث في العالم العربي، ودور البنية الفكرية والمجتمعية التي أعاقت الدخول في عصر الحداثة، منطلقين من السؤال الحرج: لماذا لم تنجح مصر ونجحت اليابان؟.
ويؤكد المؤلف تأثر النقد العربي في العصر الحديث بتيارات ومناهج النقد الغربي، من دون أن يتطور تأثره إلى خلق نظرية نقدية عربية لها خصوصية. وهو ما أنتج أزمة في الخطاب النقدي ترتبط بأزمة العقل العربي، التي لا تنفصل عن إشكالية المجتمع وتأزمه وتخلفه والدخول إلى الحداثة من أبوابها الأمامية.
المؤلف في سطور
الدكتور إبراهيم الحيدري. باحث وكاتب عراقي. حاصل على بكالوريوس الآداب ــ قسم الاجتماع، من جامعة بغداد، عام 1962. واصل دراسته العليا في ألمانيا الغربية، وحصل على دكتوراه الفلسفة في الأثنولوجيا الاجتماعية من جامعة برلين. من مؤلفاته: الحركات الفكرية والاجتماعية في الإسلام، الشباب بين التراث والمعاصرة، أثنولوجيا الفنون التقليدية، صورة الشرق في عيون الغرب، النظام الأبوي وأشكالية الجنس عند العرب.
الكتاب: النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة
المؤلف: الدكتور إبراهيم الحيدري
الناشر: دار الساقي - ببيروت 2012
الصفحات: 591 صفحة
القطع: المتوسط
