يستعرض كتاب «السياسة الألمانية تجاه القضية الفلسطينية وتطورها»، لمؤلفته عبير الشيخ حيدر، السياسة الألمانية بشأن القضية الفلسطينية، بدءاً من النصف الأخير للقرن التاسع عشر. إذ بذل العديد من المفكرين الألمان، نشاطاً كبيراً في نشر الفكر الرومانسي العنصري، وتشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها.
وتوضح المؤلفة أنه إذا ما عدنا إلى وضع اليهود في ألمانيا آنذاك، نجد أنَّ اليهود الألمان شكَّلوا المجموعة الأكبر والأكثر غنى وشهرةً، مقارنة مع أقرانهم اليهود في البلدان الأوروبية الأخرى. ولا يمكن أن ننسى في تلك الفترة، إسهامات الجمعيات التبشيرية الألمانية في إبراز أهمية فلسطين الدينية.
وكذا بعد أن حققت ألمانيا وحدتها على يد بسمارك، برزت مطامعها الإمبريالية، وانطلاقاً من الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في الدولة العثمانية والشرق عامة، تجاهلت جميع مطالب الحركة الصهيونية في منحها تصريحاً رسمياً لإقامة دولة يهودية في فلسطين.
وتشير عبير إلى أنه عقب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وزوال الدولة العثمانية، أصبح هاجس ألمانيا الأول إعادة بناء الدولة والتخلص من قيود معاهدة فرساي. فاستغلت علاقاتها مع الحركة الصهيونية في تعزيز نفوذها الاقتصادي في فلسطين، والتزمت الحياد إزاء ما يحصل على أرضها، تجنباً للدخول في أي نزاع مع بريطانيا. ومع وصول الحزب النازي إلى الحكم.
وجدت الأفكار العنصرية ضد اليهود التي سادت ألمانيا منذ نهاية القرن التاسع عشر، طريقها إلى التنفيذ. وذلك حين أصبح إبعاد اليهود من ألمانيا على أساس عرقي، سياسة منظمة للدولة الألمانية. واحتلت فلسطين للمرة الأولى، بعداً سياسياً مهماً في السياسة الخارجية الألمانية، حين ارتبطت بفكرة نقل اليهود إليها. لذا تحكمت المصالح الاقتصادية واعتبارات النظام النازي الإيديولوجية في سياسته تجاه فلسطين.
وبعد هزيمة ألمانيا في الحرب، أصبح الشرق كله وما يحصل فيه، خارج حساباتها الدولية. ولم تكن فلسطين في حسابات السياسة الخارجية الألمانية سوى أداة لتحقيق سياستها العنصرية ومصالحها الاقتصادية.
وتبين المؤلفة أنه انخرطت ألمانيا الغربية، منذ تأسيسها في العام 1949، بشكل مباشر، في الصراع العربي الصهيوني، من خلال الموافقة على دفع التعويضات وصفقة الأسلحة للكيان الصهيوني. كما رفضت الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، واستمرت في النظر إليها كمنظمة إرهابية.
ومن جانب آخر رسم الحزب الألماني الاشتراكي الموحد السياسة الخارجية لألمانيا الشرقية من خلال موقعه ضمن المنظومة الاشتراكية. إذ إنَّه منذ منتصف الخمسينات من القرن الـ20. ونتيجة لمبدأ «هالشتاين» شهدت ألمانيا الشرقية عزلة على المستوى الدولي، ولذا تقرَّبت من حركات التحرر الوطني في بلدان العالم الثالث.
وفي مرحلة ما كثفت ألمانيا الشرقية مساعداتها الاقتصادية والتجارية والثقافية، إلى الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتشهير بموقف ألمانيا الغربية المساند للصهيونية والأمبريالية ودعم حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ومن ثم أصبحت سياسة ألمانيا الموحدة تجاه الصراع العربي الصهيوني، أكثر تفاعلاً، خاصة بعد التزام ألمانيا بحل الدولتين: اليهودية والفلسطينية.
ومع ذلك، بقيت ألمانيا بعد إعلان وحدتها، أقرب الحلفاء الأوروبيين إلى الكيان الصهيوني. وبقي الالتزام بسيادة وأمن هذا الكيان هو المتحكم في سياستها الخارجية تجاه هذا الصراع. ولاحقاً، لم يعد الاهتمام الألماني يتركز على الصراع العربي الصهيوني فقط. واستمر نفوذ ألمانيا، بل حتى نفوذ الاتحاد الأوروبي، ضعيفاً في عملية السلام. كما ربطت ألمانيا مساعداتها للشعب الفلسطيني بإيجاد حل سياسي للصراع.
ولم تتوانَ عن التغاضي عن مصالحها في مقابل حماية الأمن الصهيوني، ولهذا لم تتوان عن دعم الخيار العسكري الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة. وتختم المؤلفة: «إنَّ الدعم الألماني لقضية الشعب الفلسطيني، لم يرقَ إلى مستوى توقعات الدول العربية، بسبب انحياز ألمانيا الدائم إلى الجانب الصهيوني. وهذا ما يجعل ألمانيا أمام تساؤلات ومسؤولية جديدة، يتطلبان منها موقفاً أكثر حيادية وفاعلية، ومستقلاً عن الموقف الأميركي، وخاصة أنها الدولة الأكبر في الاتحاد الأوروبي».
المؤلفة في سطور
عبير الشيخ حيدر. كاتبة وباحثة فلسطينية. متخصصة في الشؤون السياسية والثقافية. قدمت أبحاثاً ودراسات متنوعة في المجال.
الكتاب: السياسة الألمانية تجاه القضية الفلسطينية وتطورها
المؤلف: عبير الشيخ حيدر
الناشر: وزارة الثقافة السورية - دمشق 2012.
الصفحات: 222 صفحة
القطع: المتوسط

