يحكي كتاب «السيرة.. لعبة الكتابة»، لمؤلفه خاليد فؤاد طحطح، عن أهمية البيوغرافيا (كتب السيرة)، كفن أدبي وتاريخي، له قيمته في حفظ أخبار حياة الأشخاص ومعالم زمانهم. إذ يرى أن البيوغرافيا في جوهرها، عملية تركيبية تقوم على إعادة بناء الحياة الفردية للشخص.

ويبين طحطح أن البيوغرافيا اعتنت في العصور القديمة بتاريخ الرجال العظام والأبطال الكبار، وكذا برجال الحكم من الملوك والوزراء والقادة العسكريين. وكان البطل في هذه السير هو الصانع الوحيد للتاريخ، فذلك ما آمن به المؤرخون القدامى في مصر القديمة وبلاد الإغريق وروما.

ويشرح المؤلف أصل ومعنى البيوغرافيا (Biography)، مبيناً أنها كلمة من أصل يوناني، مركبة من «بيو» بمعنى الحياة، و«غرافي» التي تعني كتابة. وكان من أوائل من استعمل لفظ «Bio» المؤرخ اليوناني بلوتارك. ويلفت طحطح إلى أن السيرة بارزة الأهمية في تتبع مسار حياة الأفراد، بغرض رسم صورة واضحة عن شخصيتهم وتخليد ذكراهم.. وازدهر هذا النوع من الكتابات في العصور القديمة وفي التراث العربي الإسلامي.

ويرى المؤلف أن محمد بن إسحاق، يعد أول مؤرخ عربي، كتب سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وكتابه في هذا الخصوص، من أكثر سير النبي شيوعاً، بين المسلمين، حتى الوقت الحالي. إلى جانب غيره من المؤلفات.

ويوضح المؤلف أن كلمة السيرة أقدم استعمالاً من كلمة ترجمة في التراث العربي، ذلك من حيث مدلولها في تتبع تاريخ شخص ما، لافتاً هنا، إلى أن بعض الدارسين يُرجع أصل كلمة ترجمة، إلى اللغة الآرامية.

كما استعملها ياقوت الحموي في معجم البلدان، في أوائل القرن السابع الهجري. وقصد بها حياة الشخص، وشيئاً فشيئاً بدأ يغلب على الاصطلاح استعمال كلمة ترجمة لتدل على تاريخ الحياة الموجزة للفرد. كما ينبه طحطح إلى أن الاصطلاح الحديث لا يفرق كثيراً بين الترجمة والسيرة، وذلك على عكس الأقدمين الذين كانوا يفرقون بين اللفظين، مؤكداً أن البيوغرافيا ترتبط بتقاطعات مختلفة مع باقي الأجناس السردية الأخرى، القريبة منها، مثل: التاريخ والأدب والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا.

ويقسم المؤلف، طبيعة وأنواع مراحل البيوغرافي، في إطار وتدرجات مراحل ثلاث، وهي:

المرحلة الأولى: تتمثل في السير الفردية التي تتوافق مع العصر البطولي، وسير الرجال العظام.ووضعت الثورة الفرنسية حداً نهائياً لها.

المرحلة الثانية: فترة المدرسة المنهجية التي قدست الوثيقة، وأعطت القيمة للسيرة الفردية. إذ كان القرن التاسع عشر في أوروبا، زمنها ومسرحها، حيث مثل قرن التاريخ، بفعل التحرر خلاله من الفلسفة واللاهوت.

المرحلة الثالثة: سيطرت الحوليات عليها. فأصبحت البيوغرافيا، ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر، في وضعية كسوف، وهذا النوع تعايش، ولكنه ظل غير معتبر ومتخلى عنه، وازدادت الوضعية تأزماً في بداية القرن العشرين. وبلغ هذا الرفض ذروته في منتصف القرن نفسه. فمع الجيل الثاني لمدرسة الحوليات، وفي وقت قصير جداً، غدت البيوغرافيا رمزاً للتاريخ التقليدي، أو حسب تعبير بروديل:

«التاريخ الوقائعي الذي يركز أكثر على الأشخاص بدل الجمهور». وكذا تراجع تاريخ السير لصالح تاريخ أكثر انفتاحاً على الاقتصاد والمجتمع. كما رفضت مدرسة الحوليات البيوغرافيا مثل ما رفضت الحدث، ونظرت إليها كأحد الأصنام التاريخية غير المفيدة في فهم معنى التاريخ.

وبذلك تم تهميش السيرة من طرف المؤرخين الذين اتجهوا إلى دراسة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ العقليات. وهذا الكسوف الذي عرفته البيوغرافيا، شمل أيضاً، ميدان علم الاجتماع والأنثربولوجيا واللسانيات.

ويشدد طحطح على أن كتابة السيرة نوع من المخاطرة والمغامرة. كما أنها رهان صعب، بل مقامرة وورطة، ذلك لأن البيوغرافي لا يمكنه أن يمتلك مفتاح الشخصية، فعالم النفس، ولو قضى عشرين سنة في دراسة حالة ما، لن يملك أبداً مفتاحها، والبيوغرافي أيضاً لا يمكنه الوصول إلى حقيقة الشخصية، لهذا نجد بيوغرافيات متعددة عن الأشخاص نفسهم. ومستحيل الوصول إلى حقيقة الشخصية، لذلك فإن من يلعب الرهان البيوغرافي، يقامر دائماً. لأن كسب الرهان أمر صعب، إن لم نقل مستحيلاً، لأنه في نهاية المطاف، ربما يكون خاسراً.

المؤلف في سطور

 خاليد فؤاد طحطح. باحث وكاتب مغربي. أستاذ في حقل الاجتماعيات. وهو مجاز في الآداب - تخصص تاريخ، وحائز شهادة دبلوم الدراسات العليا المعمقة في التاريخ: «وحدة التكوين والبحث.. شمال المغرب المتوسطي.. مجتمع وحضارة مسلمة». لديه مقالات ودراسات ومؤلفات كثيرة.

 

 

 

 

الكتاب: السيرة.. لعبة الكتابة

المؤلف: خاليد فؤاد طحطح

الناشر: المجلة العربية كتاب المجلة العربية الرياض 2012

الصفحات: 224 صفحة

القطع: المتوسط