يوضح كتاب «دولة السلطان.. جذور التسلــــــط والاستبداد في التجربة الإسلامية»، لمؤلفه الدكتور أحمد محمد سالم، أنه يُشكّل الاستبداد أحد المعوقات الرئيسية لإحداث أي نهضة أو تنمية حقيقة في أي مشروع حضاري، وان للاستبداد أشكالاً متعددة ومتباينة ومجالات مختلفة.
ويظل أهم أشكاله: السياسي. ويبين سالم أن أي معالجة لقضية الاستبداد تظل منقوصة ما لم يبحث عن جذور هذا الاستبداد في تاريخنا القديم، فهو صناعة سياسية، ولكنها رسخت عبر التنظير الفكري والثقافي. وبالتالي، إذا أردنا نقد الممارسات الاستبدادية، لابد أن نمارس نقد صناعة الاستبداد عبر تاريخنا الثقافي، وهو ما يعني ضرورة العودة إلى التراث من أجل نقد جذور التسلط والاستبداد فيه، وذلك لفتح آفاق جديدة للحرية في حياتنا الراهنة.
ويعتني سالم تبني رؤية علمية رصينة، في بحثه هذه الإشكالية، منقباً عن جذورها، ومقدماً استشرافاً لمستقبل خالٍ من الاستبداد ومن صناعه وممن يألفون العيش في ظلاله. ويبحث في الموضوع من خلال التنقب حول وفي شأن تشاؤلات عديدة: كيف تشكل تراث الاستبداد؟ ما دوره من الناحية التاريخية؟ ما أثر تراثنا القديم في صياغة الحاضر، وفي التأثير على مساره ومنعطفاته؟ ما حجم تأثير هذا التراث على حياتنا الراهنة؟ وهل نحن في الشرق العربي يحكمنا السلف وهم في قبورهم؟
ويعتني المؤلف بالكشف عن الداعي التاريخي لحضور الآداب السلطانية، في داخل الحقل التداولي للثقافة العربية الإسلامية، من ناحية، ودور هذه الآداب في صياغة شأن التدبير السياسي في الإسلام، والآثار التي ترتبت على ترسيخ الآداب السلطانية كأيديولوجيا للتنظيم السياسي في الإسلام، من ناحية أخرى.
ويشير سالم إلى أن هذه الآداب السلطانية، اعتمدت على نصوص أولى مؤسسة، مثل: رسائل عبد الحميد بن يحيى الكاتب (ت 132هـ)، أعمال ابن المقفع (ت 145هـ)، أعمال أرسطو المتحولة : كرسالة "سر الأسرار". ثم بعد ذلك أعيد إنتاج معظم هذه النصوص، في كل أعمال الآداب السلطانية على مدار التاريخ الإسلامي.
ويقدم المؤلف تعريفاً شاملاً للآداب السلطانية، يوضح فيه أنها نمط من الكتابة ازدهر منذ أواخر الدولة الأموية، وانتشر عبر مسار تاريخ الدولة الإسلامية وكان يعاد إنتاجه باستمرار عبر العصور المختلفة. كما يكشف، في هذا الصدد، الامتزاج بين الثقافة العربية الإسلامية وثقافات الأمم القديمة، في نموذج الآداب السلطانية، مؤكداً أن ذاك يبرهن مدى انفتاح الثقافة الإسلامية.
وانفتاح نص الأدب السلطاني، ففي داخل نص الآداب السلطانية، نجد كل الثقافات، حيث يتجاور الحديث عن عدل أنوشروان، مع عدل الخليفة عمر بن الخطاب. وكذا نجد مقولات أرسطو وأفلاطون بجوار مقولات سفيان الثوري وأنوشروان وأردشير. وأيضاً تنصهر في نصوص الآداب السلطانية، ثقافة العرب والمسلمين، مع ثقافة الفرس واليونان في بوتقة واحدة.
ويقسم المؤلف أبحاث كتابه إلى فصلين، يتناول في الأول (الآداب السلطانية ويتناول سالم في الثاني (الآداب السلطانية: دراسة في منطق العلاقات الاستبدادية)، ماهية صناعة الملك المتخيل، ثم ينتقل بعد ذلك، إلى كيفية تجسيد الآداب السلطانية، للملك المتخيل على الأرض.
وبيان كيف استطاعت الآداب السلطانية أن تصنع الخوف من صحبة الملك أو السلطان، باعتبار أنه قادر على البطش والقتل، ثم ينتقل البحث إلى كيفية صناعة الملك جسده السياسي.. وتوضيح كيفية قيام العلاقة في الدولة السلطانية على البناء الرأسي أو التراتب الهرمي للحاشية الملكية. كما يعالج البحث، علاقة الملك بالرعية الذين هم وعاء السلطة الملكية.
الكتاب: دولة السلطان.. جذور التسلط والاستبداد في التجربة الإسلامية
المؤلف: الدكتور أحمد محمد سالم
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة- القاهرة 2012
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
