يرى كتاب «التحليل الموسيقي لسماعي صبا زمزمة»، لمؤلفه محمد كامل القدسي، أن البناء في الموسيقى العربية يقوم على عنصر الإيقاع الموسيقي، النابع من الوزن الشعري. وتتميّز هذه الإيقاعات بفترات الصمت، كما بـ(الدمات والتكات والسكتات)، وكذلك الجوامح والزخارف والحلي، التي يبتكرها ضابط الإيقاع، ما يضفي على هذه الإيقاعات والضروب، مسحة من الجمال الأخاذ.
ويبين القدسي أن الموسيقى العربية، طبقاً لذلك، مقامية تعتمد على الانتقالات المقامية المختلفة، فهي ترتكز على قواعد الانتقال المقامي المستعملة في الموسيقى الغربية بالنسبة للمقامات الخالية من الأرباع. كما تقوم على قواعد الانتقالات المقامية الخاصة بها، مع إمكان التوسع في ذلك، لتشمل معظم المقامات المترادفة التي تشترك في درجات قرارها، مثل: مقام حجازي، مقام كردي، مقام أثر كردي، مقام نهاوندي، مقام نو أثري.
ويؤكد المؤلف، أنه، وعلى الرغم من أن الموسيقى العربية لا تزال تعتمد في بنائها، على عنصري الخط اللحني الأفقي من جهة، وارتجال المبدع، من جهة ثانية، لا يخلو بناؤها اللحني من عنصر الهارموني الذي يظهر في حدود ضيقة، من خلال العزف والغناء الجماعيين، إذ يستمده العازفون والمغنون بصورة طبيعية لاإرادية.
ويشدد القدسي على أن من بين مهام (المؤلف الموسيقي، أو الملحن، أو العازف، أو المعني)، السعي إلى إظهار شخصية المقام الموسيقية الذي اختاره ليدور اللحن الموسيقي حوله، مراعياً حسن شحن الأصوات بالقدر اللازم من الجاذبية المركزية. ويبين أن هذا المقام يتألف من كلمتين :
«صبا» و«زمزمة»، والكلمة الأولى تعني اللحنين، وتتصدر الموشح الشهير: يا ليل الصب متى غده، أقيام الساعة موعده. والصبية وجمعها (صبايا) تطلق على الفتاة الجميلة، و«الصبابة» تعني الشوق ورقّة الهوى. وأمّا كلمة «زمزمة» فهي صدى الصوت الذي يسمع من بعيد. ويخلص القدسي، بناء على ما تقدم، إلى أنّ هذا المقام يفيض بالشوق والولع ورقة الهوى، كما يفيض بالأصداء الصوتية والترنّم والغناء. وهذه الكلمة تطلق على عدّة مقامات، منها: «أصفهان»، «كوجك»، «صبا». ومقام «صبا زمزمة» كان يقال له منذ زمن بعيد:
«صبا كردي». وكذا كلمة «زمزمة» تستعمل بدلاً من كلمة «كردي». وتبدو سلطنة صبا زمزمة في الأذن، صعبة المنال. وكلمة «سلطنة» هي اصطلاح يستعمله الموسيقيون، وخاصة المغنون، للتعبير عن الحالة التي تكون درجات المقام الموسيقي الذي يغنون وفقه. واقتربت طبقتها الصوتية الصحيحة، بعيداً عن النشاز، إذ اصطلح الموسيقيون على وصف هذه الحالة بقولهم: «نطق المقام وأصبحت الأذن ترتاح لسماعه».
ويرى المؤلف أن متابعة تحليل «صبا زمزمة»، تتطلب معرفة تامة بالنظريات الموسيقية العربية والعامّة، وبمبادئ علم الهارموني، لافتاً إلى أنه أصبحت الموسيقى العربية الحديثة تقتصر على عدد محدود من المقامات والإيقاعات الموسيقية، ما يجعلنا نترحم على أساطينها.
وفي الخلاصة، يؤكد الكتاب، أن ما يرمي إليه التحليل الموسيقي للمؤلفات والألحان الموسيقية العربية، يتمحور حول إحاطة المؤلفين الموسيقيين والملحنين والعازفين والمغنين، بالأجناس والعقود، والوقوف على مواقع الجاذبية الموسيقية.
المؤلف في سطور
محمد كامل القدسي. كاتب وباحث موسيقي سوري. درس في الجزائر. من مؤلفاته : أسرار الموسيقى العربية ومقاماتها وإيقاعاتها، التربية الموسيقية العربية.
الكتاب: التحليل الموسيقي لسماعي صبا زمزمة
المؤلف: محمد كامل القدسي
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامّة السورية للكتاب دمشق 2011
الصفحات: 112 صفحة
القطع: الكبير
