يعتني كتاب "التباس هويّة النصّ ..دراسة في تداخل الروائيّ والشعريّ"، للناقد المغربيّ بوشعيب الساوريّ، بتحليل ودراسة سمات تميز التجربة الروائية للمبدع سليم بركات، عارضا لخصوصيته السرديّة.

إذ يرى أنّ نصوصه تندرج في خانة الأعمال القليلة التي تلزم متلقّيها الدخول باحتياطات مضاعفة، كونها تنسج عبر لغة مشحونة بالدلالات والرموز، شكلاً كتابياً يتطلّب التفكير في إيجاد مخارج من فخاخ السرد المصاغ باستراتيجيّات وتقنيات دقيقة، تفرض عليه مراجعة منطلقاته النقديّة والمعرفيّة كلّ حين، ويؤوّل ذاك الإحراج بأنّه يتأسّس على خبرة بركات باللغة العربيّة، وتشعّب متخيّله وغناه، وخصوصيّته الكرديّة، التي تتطّلب من القارئ أن يكون مطّلعاً على الثقافة والتاريخ الكرديّين.

يذكر الساوري أنّ توظيف اللغة في المتخيَّل الروائيّ لبركات يحظى بأهمّيّة أكبر من الشعر، ويرى أنّ توظيف الخيال في الرواية أكثر منه في الشعر، ويكاد يكون متفرّداً به، ويذكر أنّ ذلك يتجلّى منذ أعماله الأولى: سيرة الطفولة، وسيرة الصبا، وحتّى أعماله الأخيرة. كما يشير إلى أنّه استطاع بناء نسقٍ روائيّ قادر على الامتداد خارج السرد المباشر، ليعانق الشعريّ والأسطوريّ والرمزيّ، وهو ما حقّق التباساً في الهويّة النصّيّة لديه.

يشير المؤلف إلى أن الخيال كمرتكز مهم في الإنتاج السرديّ لبركات، ويرى أنّه يبقى خادماً لبناء الرواية بالرغم من جموحه، وكذا أنّه خيال تنسجه إمكانات اللغة باستعاراتها وتورياتها وصورها الشعريّة، ملغية الفواصل والحدود بين الواقع والمتخيّل، والخرافة والأسطورة، ذاك حين تجعل الأسطورة تحايث الواقع الملموس. ويقول إنّها تضفي على الواقع طابعاً غرائبيّاً وتجنح إلى معانقة عوالم الأسطورة المنطلقة بناء متخيّلاً.

يتحدّث الساوري عن التباس هويّة النصّ لدى سليم بركات، وذلك بالانطلاق من قوة وجود الشعر في رواياته، مستحضراً سياقين، الأوّل عامّ: يهمّ الرواية العربيّة ككلّ.. وتمثّل في مسعاها بعد هزيمة 1967، نحو تجديد رؤاها الإبداعيّة وبحثها عن أشكال وآفاق جديدة للإبداع الروائيّ. والثانيّ خاصّ، باعتبار بركات يزاوج بين كتابة الشعر والرواية.

ومن الثابت أن يتداخلا في نصوصه الروائيّة ويسمه بالتباس في سؤال الهويّة. ويرى أنّ الالتباس يتجلّى بشكل قويّ في «معسكرات الأبد» ويصف بركات كأنّه يتمرّد فيه على الميثاق الأجناسيّ، ويرى أنّ نصّه يكون خلواً من أيّ ميثاق أجناسيّ. ويفسّر الميثاق بذاك الذي يفرض على المتلقّي استدعاء تصوّر أجناسيّ مسبق، ويقوم بتوجيه تأويل النصّ وفهمه، لأنّ القراءة كالكتابة، خاضعة لحدود التقليد الأجناسيّ، ويرى أنّ مسألة تحديد الجنس الأدبيّ ضروريّة لمقاربة أيّ نصّ أدبيّ.

يقسّم المؤلف دراساته في الكتاب، إلى مقدّمة وستّة فصول، وهي على التوالي: بنية الخيال البدائيّ، شخصيّات بأيدي القدر، تقابلات المكان، أبديّة الزمن، البناء الأسطوريّ، رموز النهايات.

ويرصد الساوري في ختام دراسته خلاصات عديدة، منها: تميّز السرد في نصّ بركات بالخضوع لبنية الخيال البدائيّ، واختيار بركات لشخصيّات متنوّعة الخصوصيّات والهويّات، سواء البشريّة أو النورانيّة أو الحيوانيّة، مستمدّة من الحياة البدائيّة للأكراد..

تجسّر بين الواقعيّ والحالم والفانتازيّ وتجاور بينهم. كما أنّ المكان لديه جاء منغلقاً على ذاته، منفتحاً في الوقت نفسه، مغرقاً في البساطة من حيث الأشياء والمكوّنات، لكنّه شديد التعقيد والالتباس، وقيامه على الازدواجيّة من حيث انقسامه إلى أماكن مألوفة وأخرى موحشة.

 المؤلف في سطور

 بوشعيب الساوريّ. ناقد وباحث أكاديمي مغربي. حاصل على الدكتوراه في الآداب، في اللغة العربية وآدابها. لديه مجموعة من الدراسات، منها: الرحلة والنسق.. دراسة في إنتاج النص الرحلي- رحلة ابن فضلان نموذجا، رهانات روائية قراءات في الرواية المغربية، من الحكاية إلى الرواية.. بصدد العالم الروائي للميلودي شغموم.

 الكتاب: التباس هويّة النص..دراسة في تداخل الروائيّ والشعريّ

المؤلف: بوشعيب الساوريّ

الناشر: دار النايا، دار المحاكاة- دمشق 2012م

الصفحات: 126 صفحة

القطع: المتوسط