الفطرة الروائيّة.. مقاربة في جوانب الاشتغال

يقدّم كتاب «الفطرة الروائيّة»، لمؤلفه، الناقد العراقيّ محمّد يونس، مقاربة لجوانب الاشتغال في الرواية، سواء كانت تلك المتعلّقة بالروائيّ أو بالرواية. ويبحث في: الفنّ الفطريّ والموهبة، تاريخ الملفوظ وصيرورة الرواية، أفقيّة الحكاية وأرسطية الزمن، ترادف الخطاب، الإيهاميّ، المحور والهيكل في الرواية، الشخصيّة والأنموذج الفنّيّ، التعبير السرديّ، زمن السلطات الثلاث، الرواية سيرة ذاتية، جدلية الرواية والانتحار، الرواية تقود الحياة، مكعّب المشتركات، ما بعد الرواية، البنية التوليديّة في الرواية، الرواية وحدود النصّ.

يرى المؤلف أنّ الموهبة الفنية إطار أساس، ما من روائيّ إلّا عاشه، ويذكر أنّ بعضهم اعتبرها القيمة الأساس في الكتابة، وأشبه بمنهج محسوس يمكن أن تتحرّك من خلاله الرواية إلى الأمام، لتكمل سيرورة حياة ربّما جوهرها هو معنى الفطرة الفنّيّة، ذاته، تماماً. ويلفت يونس إلى الفارق بين الفطرة والموهبة، حيث الفطرة صفة ذاتية محضة وخالصة وثابتة.

فيما الموهبة تشترك مع الفطرة في البعد الذي تختصّ به من حيث الثبات، لكنّها تظلّ متحرّكة وغير ثابتة، كأنّها عملة بوجهين؛ ثابت ومتغيّر. ذلك أنّ الفطرة هي الفكرة غير المسطورة كتابيّاً، فيما الموهبة هي متحقّقة في كلّ سطر من المادة المكتوبة كعمل إبداعيّ وعلى الأخصّ الروائيّ.

ويوضح المؤلف ضرورة مواجهة القارئ لفطرة الكاتب والشعور بعمق وثبات يقينها والقوة المعنويّة، التي جعلت من بعض الروايات صوراً تجريديّة ملؤها المتعة والسحر والتأمّل. ويستشهد على ذلك بحديثه عن رواية «الصخب والعنف» لفوكنر، ثمّ ينتقل للحديث عن بلزاك الذي ما كان لفطرته أن ترسم ملامح امرأة عبثاً، كانت عملية البحث عنها توهّماً بوجودها، بل أرادت موهبة الفنّان أن تتوغّل في المعنى الإنسانيّ.

وبلغ ذلك التوغّل الحدّ الفاصل، فوصل بلزاك الخامة التي رسم عليها بالكلمات ملامح امرأة هامَ بها. ويعيد يونس تعريف ستندال للرواية بأنّها مرآة يتجوّل بها طوال الطريق، ولا يضلّ الطريق أو يقف على مفترق طرق كما في الشعر، ويضيف بأنّ الذات الروائيّة تسعى عبر فطرتها إلى أن تقف المرآة عند نتيجة محدّدة.

ويعتقد المؤلف أنّ الروائيّ يظلّ دائراً في فلك سيرته مهما تقدّم في الأطر الفنيّة، أو سعى إلى مستويات متطرّفة حتّى في الفنّ الروائيّ، وإن كان يملك خيالاً خصباً للكتابة يتجاوز حدود المألوف، ويرى أنّ هيمنة الذاتي على الموضوعيّ تؤدّي إلى جعل الذاكرة حاضناً للجهتين.

ويشير إلى أنّ الاختلاف بين الذات الكاتبة وعالم المادة الماورائيّة، ما هو إلّا نمط مركّب من أشكال الاختلاف. يؤكّد الباحث أنّ قيمة النصّ السرديّ تكمن في عدم هيمنة الشكل على المضمون، حيث الشكل دائماً جامد ومحدّد النهايات، ويحتاج إلى تحريك عنصر الزمن فيه من خلال حيويّة المضمون في ذلك الإطار. فيمكنه كسر الحدود وتغيير النتائج.

كما يؤكّد أنّ النشاط الروائيّ يختلف عن أغلب الأجناس الأدبيّة الأخرى، بوجود حيّ وأساس لشخصيّة الكاتب، وفي الجوانب الخارجيّة والجوهريّة، وكذلك يشكّل العمل الروائيّ ممارسة ذاتيّة واستدراجاً مدركاً حسّيّاً لأطر وضعيّة عاشها الكاتب، تتجلّى بوضوح في عمله الروائيّ.

يتكامل الجانب النظريّ في الكتابة مع الأمثلة والتطبيقات، سواء من الرواية العالميّة أو العربيّة، بحيث يؤكّد أنّ العمل الروائيّ لابدّ له بعد أن كان جهة تخليق، أن يكون جهة توليد، ويرى أنّ هذا ما تتّصف به الرواية أكثر من باقي الأجناس الأدبيّة والفنّيّة.

ويشدد في الختام على أنّه من الطبيعيّ أن تتحرّك الرواية في عصر تقارب الأجناس الأدبيّة وتداخلها، إلى ما يمكن تسميته بـ«النصّ». ثمّ يركّز على الجانب القصصيّ لدى الروائيّ وتطوّر ذاك الجانب بحسب النصّ وما يفترضه من تجديد وإضافة، ويتحدّث كذلك عن انفتاح الرواية وكسر الحدود النصّيّة وتجاوزها في عالم الحداثة.

المؤلف في سطور

 محمد يونس. باحث وناقد عراقيّ، مقيم في بغداد. يكتب في النقد الأدبيّ والثقافيّ. لديه العديد من المؤلّفات، في القصّة والشعر والنقد.

 الكتاب: الفطرة الروائية

المؤلف: محمّد يونس

الناشر: تمّوز دمشق 2012

الصفحات: 218 صفحة

القطع: المتوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات