يطرح كتاب "مسيحيو العراق.. محنة الحاضر وقلق المستقبل"، لمؤلفه دهام محمد العزاوي، مجموعة من التساؤلات حول واقع ومستقبل الوجود المسيحي في العراق، وذلك بعد الاحتلال الأميركي للبلاد، وما نجم عنه من تدمير لمعالم الدولة العراقية ومؤسساتها، ونشوء الحرب الأهلية بين مكوناتها الإثنية، وظهور عملية سياسية مشوهة تقوم على المحاصصة الطائفية والعرقية.

ويتساءل المؤلف في بداية كتابه، عن عمليات الاستهداف المنظم للمسيحيين العراقيين، وهل هي تستهدف المسيحيين دون غيرهم، أم أن هذه الأعمال كانت تطال جميع فئات المجتمع العراقي، بغض النظر عن انتماءات العرق والطائفة والدين؟ ثم: ما هي القوى المحلية التي تقف وراء استهداف المسيحيين؟ وما المصلحة السياسية التي تجنيها تلك القوى من وراء استهداف المسيحيين وتهجيرهم؟ وما موقف القوى السياسية العراقية الرسمية والشعبية من ذلك الاستهداف؟

وفي إجابته عن تلك الأسئلة، سرعان ما يوجه العزاوي أصابع الاتهام، التي أدت إلى تهجير المسيحيين وتهديد وجودهم، إلى السياسية الأميركية الرامية إلى تفكيك النسيج الاجتماعي العراقي، وإعادة صياغة البنية السياسية والاجتماعية وفق نمط التفكيك والتفسيخ الذي يدعم مصالحها في العراق، بالإضافة إلى القوى المحلية المتحكمة بالمشهد السياسي العراقي، التي تحاول بسط هيمنتها عبر التهميش والتضييق على مختلف فئات الشعب العراقي.

 

وبعد جولة سريعة يقوم بها المؤلف يتناول فيها الأبعاد التاريخية للوجود المسيحي في العراق، وما نجم عنه من إسهامات مؤثرة للمسيحيين في تاريخ العراق القديم والحديث، وتحديده لخصائص الهوية المسيحية، يجد أن استقرار المسيحيين في العراق شكل أبرز دعائم وحدة العراق الوطنية، وركيزة استندت إليها جميع الحكومات العراقية في تشكيل معالم هوية وطنية يتعايش في ظلها الجميع، مما يعني في النهاية أن الأزمة التي يعيشها مسيحيو العراق، حالياً، هي أزمة طارئة وذات أسباب محدودة، يمكن تلافيها وفضحها بسهولة.

 

وبين الكاتب، أنه، وعلى الرغم من التراجع النسبي في عمليات استهداف المسيحيين. لكن، وفي ظل بقاء الأوضاع الأمنية والسياسية المنغلقة على حالها، فإنه من المرجح أن يعود ذلك الاستهداف في أية لحظة تتقاطع فيها مصالح فرقاء العملية السياسية في العراق، الأمر الذي يدفع المؤلف إلى الاستنتاج بأن مستقبل المسيحيين في العراق سيبقى تكتنفه الكثير من المخاطر، وسيظل عرضة للتقلبات، ولذلك نجده يطالب بمجموعة من الإجراءات والمواقف لضمان وجود مسيحي فعّال وطني، لا يعاني من التهميش والاستهداف، وأول تلك الإجراءات هناك توحيد القوى السياسية والدينية المسيحية لخطابها السياسي والذي عليه أن يدين بشكل صريح، مشاريع المحاصصة الطائفية والدينية، وأن يفضح كل القوى الداخلية والخارجية التي تقف خلف تلك المشاريع.

أما ثاني تلك الإجراءات فهو رفض القوى المسيحية للمشاريع الأجنبية الوافدة التي تشجع المسيحيين على الهجرة، وتيسر سبل الحصول على الإقامة والاستقرار في الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما يقطع جذورهم وانتماءاتهم الثقافية والاجتماعية عن موطنهم الأصلي العراق.

كما يؤكد العزاوي أهمية العمل من أجل تغيير مواقف القوى الخارجية الكبرى، من الوضع الطائفي في العراق، إذ يبدو له أنه متى ما غيّرت تلك القوى من سياساتها الداعمة لنظام المحاصصة الطائفية والعرقية، وتغذية عوامل الانقسام في المشهد العراقي، وسعت إلى سياسة عقلانية تقوم على المشاركة الاستراتيجية التي تحقق مصالحها، وفق السيادة والاحترام المتبادل، فإن ذلك سيؤدي إلى تحقيق قدر من الاستقرار في العراق، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على استقرار المسيحيين واندماجهم من جديد في نسيج الوحدة الوطنية العراقية.

كما يطالب المؤلف في خاتمة كتابه، الحكومة العراقية ووسائل الإعلام ومختلف الفعاليات السياسية، بتبني خطاب مسؤول يعمل على توفير كل الإجراءات التي لا تجعل المسيحي يشعر وكأنه شخص غريب أو عابر سبيل، يعيش في وطن ليس وطنه، فالمطلوب اليوم إعادة ثقة المسيحيين، وغيرهم من الجماعات الدينية الأخرى، بوطنهم وبمجتمعهم العراقي.

 

 

المؤلف في سطور

 

دهام محمد العزاوي. كاتب عراقي. يعنى بالمجالات الاجتماعية والسياسية. لديه دراسات ومؤلفات متنوعة.

 

 

الكتاب: مسيحيو العراق.. محنة الحاضر وقلق المستقبل

المؤلف: دهام محمد العزاوي

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون مركز الجزيرة للدراسات، بيروت الدوحة 2012

الصفحات: 223 صفحة

القطع: المتوسط