يكشف كتاب "تقاليد الرعي"، لمؤلفه محمود مفلح البكر، عن أسرار حياة الرعي التي يكتنفها الكثير من البساطة. فيجد أنَّ هناك ثلاث بيئات رعوية أساسية: الصحراوية، البادية، الريفية. ويبين أنه تتَّصف الأولى بجفافها وقلَّة أمطارها. كما أنها شبه خالية من السكَّان يتنقل فيها بعض البدو من مربِّي الإبل، فيرعون نبات هذه المنطقة أو تلك، ثمَّ ينتقلون إلى غيرها. أما الثانية، فتحتل مساحة مترامية من بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية.
إذ تتميز بادية الشام بأنها أفضل هذه البوادي، تربة ومناخاً، وكذا أكثرها سكاناً. وتتسم الأخيرة (البيئة الريفية)، بكونها الأوفر أمطاراً، والأخصب أرضاً وأوفر كلأً وماءً، من بقية البيئات.. وهي عامرة بالقرى والبلدات، وقريبة من المدن.
ويلفت المؤلف إلى أنَّ المناطق الرعوية، بدأت مساحتها بالتراجع التدريجي لصالح الزراعة. وذلك منذ مطلع القرن العشرين. وتدهور الغطاء النباتي كثيراً في العقود الأخيرة، نتيجة التوسع العمراني والاستصلاح العشوائي.
ويوضح البكر أنه كان لمهنة الرعي في البلاد العربية، دورها المهم عبر مراحل التاريخ، حتى عصرنا الراهن. إذ عزَّزت التواصل الاجتماعي بين مختلف المناطق المتنائية، كاليمن والحجاز والشام ونجد والعراق ومصر.
ويشير المؤلف إلى حيثية أخرى فحواها أن الراعي يُمضي جل وقته في البراري، لذا عليه أن يتسلَّح، ومن أسلحته: العصي المصنوعة من خشب متين مقاومٍ للكسر، بعض الأسلحة البيضاء القاطعة التي لا يستغني عنها أي راعٍ. وللراعي أوعية طعام وشراب محددة، فهناك: العليقة، الجراب، المخلاة. وهي ثلاث تسميات لشيء واحد، وهو كيس من قماش 2020، يوضع فيها الطعام، وتعلق على الكتف. وهناك أيضاً، الزكرة، وهي جلد سخل أو طلي، عمره أقل من شهر، تُعالج وتدبغ وتجهَّز، ليوضع فيها اللبن والحليب. وكذلك الجود، المصنوع من جلد الجدي الذي لا يتجاوز عمره الأشهر. وغير ذلك الكثير.
ويبين البكر، في إطار تناوله كل التفاصيل الخاصة بحياة الرعي، أن للراعي أعداءً. وأهمهم اللصوص وقطاع الطرق. وكذلك الحيوانات المفترسة.. كما للراعي بيوت يسكن فيها.ويولي الرعيان أهمية خاصة للأجراس، لما تؤديه من أغراض مختلفة، أثناء وجود المواشي في البراري نهاراً، أو أثناء هجوعها ليلاً، وتعلق في رقاب حيوانات كثيرة، كالغنم والماعز والبقر والإبل.
وهي متنوعة الأشكال والأحجام، ومختلفة المادة وطريقة الصنع. ومن أنواعها، القرقاع والنحيلة والبريشمان. ومن أغراض هذه الأجراس، أنَّها تدل على وجود حامله ومكانه. ومن أغاني الراعي: دلعونة، ظريف الطول، جفرا، اليادي، مشعل، العتابة، الهجيني.
ويلفت المؤلف إلى أن هناك مجموعة عادات وتقاليد ومعتقدات رعوية، توجِّه سلوك الأفراد والجماعات، حتى في وحدتهم. ومن الاعتقادات الشائعة، وضع "الفيجل" في اللبن. ويسميه بعض الناس (السذاب)، إذ يعتقدون أنه يطرد الشياطين ويجلب البركة في المكان الذي يوجد فيه.
ومن العادات والمتعقدات، أيضاً، وقطش أذن أوَّل ذكر يولد في القطيع، فلا يؤخذ شيء من حليب أمه، ولا يشاركه في حليب أمه، خروف آخر. ولا يُفطم، ولا يُباع تحت أي ظرف. فهو منذور للولي الذي يتبع له صاحب المواشي. كما تقع على الراعي، أعمال ومهمات كثيرة متنوعة، منها: تفقد المواشي، السجَّة وتخير المرعى، التوريد، الاهتمام بالمعاشير، التوليد والاهتمام بالمواليد، الاهتمام بالرضاعة، وسم الشياه، الفطام، المساعدة في أعمال الحلب، تولي أمور القصاص، الاهتمام بفترة الهداد والحنا.
المؤلف في سطور
محمود مفلح البكر. كاتب سوري. يعنى بالدراسات الاجتماعية والتراثية. لديه دراسات وكتب عديدة.
الكتاب: تقاليد الرعي
المؤلف: محمود مفلح البكر
الناشر: وزارة الثقافة السورية - دمشق 2012
الصفحات: 517 صفحة
القطع: الكبير
