يوضح كتاب "قضية القدس"، لمؤلفته الدكتوره خيرية قاسمية، أن مدينة القدس ظلت تستقبل، طيلة القرون التي تمتعت خلالها بالسيادة العربية، جميع الأفراد، من مختلف الديانات والفئات، وذلك بتسامح تام، متيحة لهم ممارسة شعائرهم الدينية بحرية. إذ حظيت هذه الحالة، آنذاك، برضى الناس عموماً. إلا أنّ وضع القدس كمدينة عربية، أخذ ينهار تدريجياً منذ انطلقت الخطة التي حملت الأمم المتحدة على إقرار تقسيم فلسطين وتدويل القدس، في سنة 1947.

تشير الدكتوره قاسمية في كتابها، إلى مرحلة لاحقة في تاريخ المدينة، مبينة أن الإحتلال الإسرائيلي استولى على قسم من المدينة في حزيران 1967، وشرعت بجهد منظم، متحدية الرأي العام العربي والدولي، في تنفيذ مخطط تهويد المدينة، وسلب تراثها الديني والحضاري وطمس معالمها وإجلاء سكانها العرب، إلى جانب دفع موجات جديدة من الهجرة إليها.

وذلك في محاولة منها لفرض الامر الواقع "اغتصاب المدينة وفلسطين عامة" على العالم كلّه. وتلفت المؤلفة إلى أنه، ومنذ حرب العام 1967، تصرّح اسرائيل بأن الوضع الراهن قابل للمفاوضة، باستثناء القدس، وتساير بعض الدول إسرائيل في هذا الموقف .

وتنتقل المؤلفة إلى خانة إثبات عروبة المدينة، بالحجج والدلائل العلمية والتاريخية الموثقة. وتبين ان القدس العربية ليست القدس القديمة التي يضمها السور، بل إنها تشمل جميع المدينة القائمة اليوم، بشطريها القديم والجديد، وبما يجاورها من قرى عربية .

تصل خيرية قاسمية، بعد ان تستعرض جغرافية المدينة المقدسة وتاريخها، إلى ممارسات إجلاء القدس من سكانها، من قبل اسرائيل. وتلفت المؤلفة الى انه كانت الحفريات الأثرية منذ أكثر من قرن، قد فشلت في العثور على إثباتات قاطعة مقنعة من آثار الهيكل وآثار مدينة داوود أو عهد سليمان .

 ثم تنتقل للتعريف بحقيقة أنه اعتبرت مديرية الآثار الإسرائيلية بعد حرب 1967، مباشرة، القسم الغربي من القدس مندمجاً بالقسم الغربي الإسرائيلي، وانه يشكل وحدة أثرية تخضع لقانون الآثار الإسرائيلي. وتلمح هنا، إلى أنه لال تزال هذه الحفريات مستمرة، متحدّية جميع قرارات منظمة اليونسكو والأمم المتحدة لما تشكله من خطر على آثار القدس ومن تهديد يتمثل في تغيير معالمها التاريخية .

ومن الملاحظ أن الحفريات تستهدف الاستكشاف ظاهراً، ولكنها فعلاً، اتخذت وسيلة لتصديع ما فوقها من أبنية سكنية وتجارية ودينية وحضارية والتسبب في انهيارها، ومن ثم هدمها وإجلاء سكانها . كما حدث في رباط الكرد والمدرسة الجوهرية والمدرسة العثمانية. وتدرج المؤلفة في هذا الصدد، مجموعة بيانات وحقائق أثرية تدحض حجج اسرائيل وتبجحاتها.

توضح المؤلفة أنه استولت إسرائيل على المتحف الفلسطيني الأثري، بجميع محتوياته، بما فيها مخطوطات البحر الميت، إضافة إلى استملاك ومصادرة وهدم ونسف العقارات الوقفية، الملاصقة للمسجد الأقصى في الغرب والجنوب . وكذا احتلال باب المغاربة وإقامة مركز عسكري فيه، وإباحتها للزوار الإسرائيليين، الدخول منه الى الحرم الشريف، بقصد إزعاج المصليين وإهانتهم .

ويضاف إلى ذلك مجموعة تعديات وانتهاكات أخرى، منها: الاستيلاء على المدرسة " التنكزية " و" الزاوية الفخرية " واستعمالهما من قبل الجيش الإسرائيلي كمركزين عسكريين.

وتتطرق المؤلفة بالتفصيل، إلى ما تعرض كنيسة القيامة للاعتداءات الإسرائيلية، وكذا تعرض دير الأقباط، إضافة إلى إحراق بعض الإسرائيليين المتعصبين، المركز الدولي للكتاب المقدس على جبل الزيتون. والاعتداءات على دير القديس جارجيوس في جبل صهيون ودير الراهبات ودير الآباء البندكتيين.

وغير ذلك الكثير من الممارسات المشوهة والتخريبية ذات الصبغة البربرية والعنصرية. وكذلك نشر الفساد الأخلاقي في المدينة المقدسة، وتشجيع حرب العصابات والجريمة في داخل المدينة، وحث الإسرائيليين على حمل الأسلحة النارية بحجة الدفاع عن النفس ضد السكان العرب .

وتخلص المؤلفة إلى التاكيد على حقيقة حوهرية، مفادها، أنّ الحق العربي في القدس، والذي أقرّته كل الأجهزة الدولية، لا يمكن أن يخضع للمساومة. كما ان قرار الجمعية العامّة يعد احتلال القدس غير شرعي. وبالتالي، يرفض السيادة الإسرائيلية عليها، في حين أنه شدد على سيادة العرب وحقوقهم.

وفي وسط المناقشات والحلول المطروحة، يبدو أنّ العالم ينسى أمرين : قضية القدس جزء من القضية الفلسطينية، الحقوق العربية المغتصبة في " القدس الجديدة " منذ 1948( فالقدس التي نتطلع إليها ، القدس بشطريها القديم والجديد ).

 المؤلفة في سطور

 الدكتوره خيرية قاسمية. باحثة وكاتبة فلسطينية. أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة دمشق.

وهي عضو في مجموعة هيئات وجهات، منها:

هيئة الموسوعة الفلسطينية (دمشق - بيروت)، لجنة كتابة تاريخ العرب (جامعة دمشق)، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الكسو). لديها مؤلفات ودراسات عديدة.

 جوهر وامتداد

 يعنى الكتاب بسرد مجموعة معلومات تفصيلية، حول مكانة القدس، الفريدة، عارضا القيمة الروحية للمدينة كونها ملتقى الديانات الثلاث. إذ تجتذب إليها اهتمام المسلمين والمسيحيين واليهود. ويعدها العرب، جوهر قضيتهم السياسية والقومية، إذ إنها محور الامتداد الحيوي للقضية الفلسطينية عامة، في كافة أبعادها .

 الكتاب: قضية فلسطين

المؤلف: الدكتوره خيرية قاسمية

الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامّة السورية للكتاب دمشق 2012

الصفحات: 208 صفحة

القطع: الكبير