يختار كتاب "الفرجة المسرحية المغربية.. زمن التأصيل"، لمؤلفته الدكتورة سميرة السباعي، التركيز على تبيان حقيقة عدم القدرة على معرفة تاريخ دقيق ومؤكد، لبدايات المسرح المغربي. وترى المؤلفة أنَّ الممارسة المسرحية المغربية لم ترتبط في بداياتها بالنموذج الغربي، بل بعمق التاريخ وبجذوره، وكذا بمصادره التي تتطلَّب الحفر في الماضي، والقيام بعمليات أركيولوجية سعياً لتثبيت البدايات المفترضة لهذا المسرح، والتي تعود إلى ما قبل العشرينات من القرن الماضي، بوجه تقريبي.
وتلمح المؤلفة أنَّ المسرح المغربي ظلَّ يعيش، بعد فترة الحماية في سنة 1912، مخاضاته المتجددة، ويحيا أجواء المسرح الغربي بأشكال تنوعت فيها مستويات تلقي هذا المسرح، والذي أدهش رواد الحركة الوطنية المغربية بشكله، وببنيته المغلقة، وبمكوناته الجمالية.. ومثل هذا الانبهار جعل بدايات المسرح المغربي محكومة بصعوبة الانطلاق والبداية.
وبعسر منبعه الافتقار إلى إمكانات المكوِّنات المسرحية، كالكتابة الدرامية والإخراج. وهو ما تمظهر في عملية إنتاج وإعادة تقليد النموذج الغربي، بذاكرة ثقافية عربية تحكمها سلطة الصنف الإبداعي الشعري واللحظة التاريخية التي أراد فيها رواد حركة النهضة المغربية، وأعلام الحركة السلفية، أن يجعلوا نتاج خطابهم الشعري والمسرحي، مفعماً بخصوصية المرحلة..
وظلَّت الصدمة الحضارية مع الغرب تقبض على مساق النتاج المسرحي المغربي، موجهة مساره بدينامية غربية أراد لها الرواد أن تكون محمَّلة بخطاب نهضوي يحمل رؤيتهم للعمل الذي يحلمون به. وترى الدكتورة سميرة أنه في هذه الثنائية الضدية بين المغرب والغرب، أخذ رواد النهضة المغربية يقتنعون بضرورة تطويع الثقافة إلى الخصوصيات الجديدة التي حددت مكونات هذه الثنائية.
وتشرح المؤلفة نهج علال الفاسي في المجال، لافتة إلى أنه مثّل شكلاً من أشكال الفكر السلفي في المغرب، وجعل الدين الإسلامي قاعدة للإبداعات الحضارية.
وتؤكد الدكتورة سميرة، أن المغاربة لم يعرفوا المسرح كصناعة فرجوية قائمة على نص مسرحي وقاعة للعرض وجمهور، إلا في عهود متأخرة تتحدَّد بفترة الحماية.. لذا يمكن الحديث عن البداية الفعلية للمسرح المغربي انطلاقاً من دخول المسرح كممارسة فرجوية سنة 1923، باعتبارها سنة الانطلاقة الحقيقية لهذا التأسيس، عبر وسيط متمثِّل في الشرق، من خلال الفرق المصرية التي كانت تزور المغرب.إذ سهمت، وإلى حد كبير، في بلورة وترسيخ الانطلاقة المسرحية في المغرب. ك
ما أنَّ التأثير العميق لها كان من المحفِّزات الأساسية التي زرعت بذور الثقافة المسرحية في المغرب، وإيقاظ حس الشباب، وتحريك هممه وشحذ قرائحه وعزائمه لولوج هذه الميادين واستيعابها.. وكان لتزايد الاهتمام بالمسرح في فترة الحماية (الاستعمار الفرنسي)، ظهور متقبلين له دعموه بحضورهم وبمتابعاته.
وباتخاذ موقف من المعيش، لأنَّ هذا المعيش مكوِّن أساس لنفسيتهم ولواقعهم الاجتماعي ولوضعيتهم السياسية. وهذا الاهتمام لم يأت صدفة، طبقاً لما تؤكده المؤلفة، بل هو تراكم للوعي بالمسرح والذي أنتج بدوره تشكيل الوعي الجديد وفق الاختيارات الوطنية.
وتختم المؤلفة مؤكدة أن المسرح المغربي جزء حيوي من التجربة المسرحية العربية، وعمره من البداية إلى الآن، يحمل تفاصيله وثوابته، وخصوصياته. كما يحمل في رحمه كل الخطابات والتجارب وأسماء الأعلام والمصادر والمراجع التي كونت مشهده الخاص. ومن نافلة الحديث القول إنَّ هذا المسرح عرف تغيرات كثيرة، رسمت له أشكالاً متنوعة، من التفكير في النص الدرامي، وفي الإخراج وفي التنظير وفي أشكال التلقي، وكذا في قضايا النقد.
المؤلفة في سطور
الدكتوره سميرة السباعي. كاتبة وباحثة مغربية، متخصصة في حقل الأدب والمسرح. لديها مؤلفات ودراسات عديدة.
الكتاب: الفرجة المسرحية المغربية.. زمن التأصيل
المؤلف: الدكتورة سميرة السباعي
الناشر: طبعة خاصة - المغرب مكناس 2011
الصفحات: 186 صفحة
القطع: الكبير
