يحكي كتاب "لا أريد أن أفقد الامل"، لمؤلفه الكاتب الكازاخستاني، نعمات كليليمبتوف، رحلة معرفية جديدة، نستلهم معها تلافيف بيئة ثقافية علامتها الفارقة غلبة الانحياز إلى التغني بالمثل، والترنم بالأصول والهوية بموازاة التأكيد على قيمة المكون الفكري الكازاخستاني. ذاك حقاً ما نختبره من طقوس معرفية وتجريبية فلسفية، في ملحمة أدبية عن البطولة والحكمة، تتوالى فيها حلقات الحكاية، أحاديث ذاتية ملوّنة بخيوط سردية منسجمة، تصوغ روح مضمون مباشر، وعنوان صريح مبسط : " لا أريد أن أفقد الأمل".

يضم الكتاب، ونلج مع الأولى، التي أخذ منها عنوان الكتاب نفسه.. وحققت شهرة واسعة في كازاخستان، أعماق حكاية اجتماعية مطعمة بملمح السيرة الذاتية، حيث نتبين فيها قصة حياة ومحطات كليليمبتوف ذاته، إذ يروي معاناة شاب في مقتبل العمر، أصابه مرض عضال فأقعده عن الحركة.

لكنه يرفض الاستسلام ويحرص على التسلح بالإرادة والصبر، متجاوزاً حالات الوهن النفسي التي هاجمته، ليخلص من الإحساس بالضعف، ثم ينجح في التغلب على المحنة، ويعود إلى قلب العطاء في الحياة، ذلك بعد أن كان مبحراً أبداً، في دائرة اليأس والموت.

يوصف الكاتب ماهيات تلك الحالة، وكذا حقيقة مشاعره بعد أفق اليوم الجديد الذي يشرع يعيشه عقب هزيمته الإحباط :" أمر لا يحتمل أن تشعر نفسك سجيناً حكم عليك بالموت. أن تنتظر الموت بعد شهر أو أكثر، فهذا أمر، بينما أن يحدث ذلك فجأة، على غير موعد، فهو أمر آخر.. فالإنسان لا يخاف إلى هذه الدرجة من العملية الجراحية المنتظرة بعد شهر أو بعد عام. فعامل الوقت المتبقي في حد ذاته يهدئ من روعه". ويضيف :" والآن .. سمعت كلمة : غداً.. شل الخوف حواسي، وكأني صرت أصم وفقدت النظر .. وها هي الستائر تزاح".

تتابع صيغ الحكائية الدالة المؤثرة في رواية كليليمبتوف، لتلج جوانب فكره ورؤاه، في شأن فلسفة الموت والحياة، وكذا معانيهما.. وفي تلك السردية المتماهية مع النزعة أو الحالة الذاتية، نجده يصور لنا وضع البطل( وضعه تقريباً)، بعد العودة إلى معترك الحياة، شارحاً كيفيات نجاحاته وإخفاقاته. . وكذا متواليات حزنه وفرحه وحبه وكرهه وألمه وسروره.

وفي خلاصات الرواية، يتبدى لنا جوهرها، ومع مضمون استنتاجاتها، كخطاب أدبي ضد اليأس، يحكي عن محطات الحزن والخوف والقهر، ولكنه يدعو إلى رفض الاستكانة، ويتمسك بأهمية الإرادة القوية، مشدداً على ضرورة جعل الأمل مشعل الدرب وبوصلة الاتجاه في حياة أي إنسان، مهما كان حجم الصعاب والنكبات.

تمثل الرواية الثانية في الكتاب " رسائل إلى ابني"، صيغ محادثة تدور على محور الإرشاد والتثقيف، إذ يوجّهُ وينوّر معها، نعمات كليليمبتوف، ولده الذي غادر البلاد بغرض الدراسة في الخارج. فيمده بجملة مبادئ وفكر أخلاقية، وفلسفية ومعرفية وتربوية، مدرجاً فيها نتاج تجريبه العملية الحياتية، وملخصاً مفهومه ونظرته إزاء مسائل عديدة ومتنوعة. وبذا ينبري لتقديم نصائح لا حصر لها، إلى جيل الشباب، مزوداً إياهم بما يحتاجونه من معارف وخبرات.

وهكذا نبين المؤلف جاعلاً من أحاديثه مع ابنه، منافذ توعوية تفيد الشبان، عامة، في تصويب المسار وإعمال التأني والتأمل والتروي، كشعار ومنارة تحرك، دائماً.ومن بين مجموع تلك القضايا التي يتطرق إليها: رأيه في الصداقة الحق، الكيفية الأفضل لاختيار الأصدقاء الذين هم فعلياً السند والمعين. ولا يفوت كاتبنا، الإشارة إلى جدوى التزام الشباب بمروحة من النقاط الأخلاقية والوطنية، في مقدمها: التعلق بالجذور، حب الوطن، تقدير قيمة الأم، محاربة مظاهر التفسخ، البعد عن السطحية والميوعة.

كما يذخر الكاتب روايته، بقصص عن الماضي، يصور معها مآثر وبطولات أبناء كازاخستان، مركزاً في أبعادها على تعريف الشباب بتفاني ووطنية وأمانة أسلافهم، الذين ضحوا وقدموا الغالي والرخيص، دون انتظار أي إشادة أو مكافأة.

 

المؤلف في سطور

 

نعمات كيليمبتوف. كاتب وأديب كازاخستاني. يتربع على قمة عرش الادب والابداع الفكري في بلاده. تحوز مؤلفاته قيمة كبيرة في المجتمع. صاحب دور ريادي في حركة الانهاض الفكري في كازاخستان.

الكتاب: لا أريد أن أفقد الأمل

المؤلف: نعمات كيليمبتوف

ترجمة: الدكتوره سارة رفعت، سها سامح

الناشر: دار نشر أنباء روسا - 2011

الصفحات: 300 صفحة

القطع: المتوسط