يعنى الكتاب في توجيه مساق البحث، ضمن حيثية أعمال محفوظ في السينما، نحو التركز بالتحديد، على حقل السينما المكسيكية. وبذا فهو يمثل دراسة موسعة عن الرؤية المكسيكية للرواية المحفوظية
يحتفي كتاب "نجيب محفوظ في السينما المكسيكية"، لمؤلفه الدكتور حسن عطية، بتقديم السينما المكسيكية معالجتين لروايتي نجيب محفوظ: "بداية ونهاية" للمخرج (أرتورو ريبيستين)، "زقاق المدق" للمخرج (خورخي فونس)، منبهاً إلى أنهما أعادا استنبات المادة الروائية المحفوظية في السينما المكسيكية.
ونقلا وقائعها من الثلاثينات والأربعينات وإلى التسعينات من القرن الماضي، فأخضعا الكثير من دقائقها لبيئة أخرى مغايرة، ما أثر في البنية الجمالية للفيلمين، وأحدث منهما وجوداً مستقلاً في ذاته، رغم استلهامهما من الرواية المحفوظية.
ويهدف الدكتور عطية في هذا الكتاب، إلى الكشف عن علاقة التأثير والتأثر، فيما بين الإبداع والواقع الاجتماعي والفكري، والتي تُثري العمل المبدع في وقت تلقيه في لحظة زمنية تؤول فيها دلالاته وفق مستجدات تلك اللحظة، وفي واقع مجتمعي يُعاد داخله تفسير علامات العمل على ضوء تفاعلات ومتغيرات هذا المجتمع.
فالفن لا يُستحدث من عدم، وإنما يعبّر بالضرورة عن واقع مجتمعه وأحلامه المبعثرة عبر بنيان جمالي متكامل الصياغة، وهو لا يفنى بزوال اللحظة الزمنية، أو بانتقاله لمجتمع آخر. فالصياغة الجمالية المتكاملة ترفعه من مجرد المحاكاة إلى خانة ما هو قائم في صورته الناقصة والقابلة للتغير، غاية بلورة ما هو جوهري في صورته الإنسانية الكلية، ولا تُلغي هذه الكلية، قدرة العمل الفني الجيد على مخاطبة واقعه ومجتمعه، وهذه هي عبقرية الإبداع الحقيقي: صوت يُخاطب زمنه وعين ترنو إلى كل الأزمنة.
يؤكد المؤلف أن النقاد اتفقوا على أن "فيلم بداية ونهاية في نسخته المكسيكية" هو ميلودراما متماسكة البناء، لا تخرج عن إطار الإرث الميلودرامي المكسيكي العظيم، وإن كانت في نظر البعض منهم "ميلودراما مصرية"، أُعيد زرعها في تربة "الميلودراما المكسيكية" المعروفة، ومسلسلاتها التلفزيونية الشعبية، دون أن تفقد خصائص الأولى أو مميزات الثانية.
كما أن انتقال الشخصيات المصرية من بيئتها التي نبتت فيها، وإعادة زرعها في بيئة أخرى، لم يُفقدها مقومات بنائها، بل تظل القيمة إنسانية عامة، ويظل الفقر شبحاً لا بد من القضاء عليه في أي مكان، ويظل البعد الخالد الذي يطرحه "محفوظ" في رواياته، بعداً يتجاوز كل زمان ومكان، رغم تجذره في بيئة زمكانية محددة.
ويهتم الكتاب برصد رؤية نجيب محفوظ الفكرية للعالم، حتى انتهائه من كتابته روايتيه: "بداية ونهاية" و"زقاق المدق"، وذلك سعياً لرصد العلاقة الجدلية بين الرؤية الفكرية للروائي نحو العالم، والتي تحمل سمات الخصوصية والذاتية والزمانية أيضاً، وبناء العمل الروائي الذي يستند تاريخياً على أسس بنائية سابقة على كتابة "محفوظ"، تمتد إلى قرون عديدة في الغرب، ذاك بعد أن ازدهر وجودها مع ظهور الطبقة البورجوازية، وتصاعد تعبيرها عن رؤيتها الفردية الخاصة للعالم.
والتي كان القص الروائي بلسان الشخصية الساردة العارفة، بكل دقائق العالم، وسيلتها الأدبية والفنية في مواجهة الطبقة الصاعدة منها، وبمثابة تأكيد في وجه الطبقة المتطلعة للصعود إلى مستواها والحلول محلها، وهذا في الوقت الذي لم يكن لهذا الفن الروائي أسس بنائية قوية قد تجذرت بعد في الأراضي المصرية والعربية عامة.
المؤلف في سطور
الدكتور حسن عطية، ناقد مسرحي وسينمائي. لديه دراسات متنوعة في القصة والرواية. حصل على بكالوريوس المعهد العالي للفنون المسرحية سنة 1971، وعلى دبلوم الدراسات العليا - قسم النقد والدراما من معهد الفنون المسرحية في أكاديمية الفنون. وعلى الدكتوراه في فلسفة الفنون من جامعة الاوتونوما بمدريد. عُيّن عميداً للمعهد العالي للفنون المسرحية، وشارك بالكتابة في العديد من المجلات والصحف المصرية والعربية، ومنها "أخبار النجوم". وهو عضو في هيئات عديدة. من مؤلفاته: الثابت والمتغير، فضاءات مسرحية.
الكتاب:نجيب محفوظ في السينما المكسيكية
المؤلف:د. حسن عطية
الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة-2012
الصفحات:125 صفحة
القطع: المتوسط
