يحلل كتاب" الثورة اليمنية"، لمجموعة مؤلفين، خصوصيات وفرادة الثورة اليمنية، من بين ثورات الربيع العربي، مقدما قراءات استشرافية حول مستقبل اليمن وأفق المراحل التي تنتظره. ويبين الباحثون في دراسات الكتاب، أن الثورة هناك أفرزت لاعبين جدداً في الساحة، وظهر فاعلون غير رسميين، ذوو دور في العمل السياسي، إلى جانب اللاعبين التقليديين في الداخل والخارج.
ويشدد الكتاب على ان الواقع اليمني بمكوناته الحداثية لم يترسخ بعد، حيث مفاعيل البني التقليدية لا تزال حاضرة في الدولة والمجتمع، كما أن إمكانات اليمن المادية أهدرت من خلال نظام شكل وجوده عدوانا على المجتمع، مؤكدا على أن البناء السياسي والاقتصادي القادم، يتطلب رؤية استراتيجية لترتيب النظام الحاكم وفلسفته السياسية، في إطار بناء دولة مدنية ديمقراطية.
يمثل الكتاب، في ماهية رؤاه، وسياقات بحثه وتفتيشه، صيغة شوط جديد في سلسلة الكتب التي تناولت بالدرس الثورات العربية الراهنة، الصادرة عن المركز العربي للدراسات. إذ يقدم للقارئ العربي معلومات وتحليلات غنية، تساعد في دراسة المجتمعات العربية، دراسة علمية معمّقة، من شأنها الإسهام في بلورة أفكار ونظريات عن بناء الدولة الحديثة، بعد سقوط نظم الاستبداد.
ويشارك في كتابة أبحاث الكتاب الذي يتناول أربعة فصول أساسية، أحد عشر باحثاً، وهم: قادري حيدر، عبد السلام المحطوري، عبد الباري الطاهر، عيدروس النقيب، فضل الربيعي، عبد الله العاضي، علي الوافي، محمد الأفندي، عبد الكريم غانم، يحيى الريوي، ماجد المذحجي. وحرره وساهم فيه فؤاد عبد الجليل الصلاحي.
تركز الدراسات، في شتى فصول البحث، على تناول الثورة اليمنية، بشكل تفصيلي، وذلك بمقدماتها ومجرياتها ومقاصدها.
يحاول الكتاب سبر أعماق المشهد اليمني وتعرج مسار التحديات القاسية التي واجهت الثورة اليمنية، والظروف التي تعاملت معها، مقدما نموذجا بالغ الدلالة حول عبء الاستبداد وميراث طويل من الممارسات الشمولية والتدخلات الخارجية، التي أفسدت السياسة في اليمن ووفرت ضرب المكوّن الوطني الجامع فيه.
ويلفت الباحثون، إلى أنه، ومع ذلك، نجحت الثورة في كسر الشروط القاسية التي كانت تحول دون انطلاقها، مستفيدة من المناخ الايجابي والحماسي الذي ولّده " الربيع العربي" في المنطقة، لتتعامل بشكل جيد، مع فرص الحشد والتعبئة الاجتماعية واستخدام أساليب النضال المدني، في مواجهة الأدوات القمعية التي استخدمها النظام لمحاولة إجهاضها، متمسكة بخيار السلمية، باعتباره منطلقا وعنوانا أساسيا لصناعة التغيير الذي تنشده.
ويتميز الكتاب، بشكل عام، بوضوح سمات عديدة فيه، يتقدمها رؤاه ومنطلقاته الموضوعية، وروح المسؤولية من قبل الباحثين، ليس لانتمائهم لليمن بل لانهم صناع الكلمة المسؤولة التي تعبر عن واقع بلادهم ومسار تحوله، ومع الاعتراف بالتباين في اطروحاتهم وهذا امر طبيعي ومطلوب- الا انهم خلصوا الى ضرورة انجاز التغيير السياسي، وفق مسار الثورة، واعادة الاعتبار للدولة وبنائها وفق أسس وآليات جديدة، تمكن اليمنيين من العبور نحو القرن الحادي والعشرين، بجميع تجلياته المعرفية والحضارية .
وفي العموم، نتبين ان الكتاب يبرز كخطاب علمي تعبيري من المشاركين في اعداده، يعزز الاعتراف بفاعلية الشباب، مقدرا دورهم وتضحياتهم. كما يشدد على ضرورة ان تكون الرؤى والاستنتاجات علاجا لازمات اليمن، بغية تحقيق ما أعلنه الشباب في ساحات الحرية والتغيير.
وكذا أنه لا مناص أمام اليمنيين، من التطور والنهوض والتنمية. فالبديل خروج اليمن من التاريخ . وهذا العمل الفكري، يقدم مدخلا مهما للكتابة الموسعة عن تاريخ ومسار الثورة اليمنية، بل وعن الدولة والمجتمع في اليمن، على أمل أن يستفيد صناع القرار، من مضمون الكتاب و استخلاصاته.
ويبقى اللافت في الكتاب، اعتنائه بإدراج باقة أبحاث علمية غايتها التحليل الموضوعي لمسارات الثورة اليمنية وآفاقها، استناداً إلى المعرفة النقدية لمكوّنات المجتمع اليمني، السياسية والقبلية والبشرية، متضمنا في هذا السياق الكثير من الرؤى والأفكار التي لا ينفك يتحاور حولها السياسيون والمثقفون. كما تبدى في معالجاته، سعة التركيز على محاور جوهرية يدخل القارئ والمهتم معها، في نقاش حاد مع الكتاب، ذلك رفضا لمحتواه أو تأييدا له. أو ربما بين هذا وذاك.
ظاهرة ودروس
تُشكّل الثورة اليمنية، ظاهرة بارزة في الربيع العربي، ما يجعل دراستها وتحليلها والتعرف على تداعياتها المستقبلية، أمراً مهماً على صعيد البحث العلمي، وهو ما ينتهجه الكتاب، ساعياً إلى استنباط الدروس والعبر الفاعلة على واقع ومستقبل اليمن، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وقانونيا .
الكتاب: الثورة اليمنية .. الخلفية والآفاق
تأليف: مجموعة مؤلفين
تحرير: فؤاد عبد الجليل الصلاحي
الناشر: المركز العربي للأبحاث
الدوحة 2012
عدد الصفحات: 494 صفحة
القطع: الكبير

