عمل شيق مزدان بأسلوب النرويجية أورستافيك

«حب».. رواية مسكونة بالآلام العائلية

صورة

«الحب بأوجه عدة مجرّد تحذير أنيق، والخيال يظل ممتعاً إلى أن يصبح قاتلاً»، بهذه الكلمات أوجز أحد النقاد أحدث أعمال الروائية النرويجية هان أورستافيك، التي حملت عنوان «حب»، تلك الأقصوصة الغريبة، والمبتكرة التي تعاين عن كثب غياب حب واهتمام إحدى الأمهات بابنها بشكل وثيق، أو على نحو أدق الحدود المبدئية لغياب ذلك الحب.

تتكشف أحداث رواية «حب» على مدى ليلة وحيدة تروي قصة أم وابنها، اللذين انتقلا للعيش في بلدة نائية في الشمال الجليدي للنروج، «حيث موسم الشتاء على الدوام»، كما يقول الابن جون، الذي سيبلغ عامه الثامن بعد يوم واحد، في ظل جهل تام بأن أمه «فيبكي» قد نسيت الموعد بالكامل في غمرة أحلامها وآمالها.

اهتمام

على الرغم من إيجازها، تستحق «حب» التي ترجمها إلى الإنجليزية مارتن أيتكن كل الاهتمام، ويتجلى من بين السمات الكثيرة، التي تطبع الرواية التي نشرت بالنرويجية قبل عقدين من الزمن أنه لم يعف عنها الزمن، بل بدت خلافاً لذلك وكأنها تطفو خارج إطار الوقت، وتظهر في جملة بدا فيها جون «كأنه مجرّد فقاعة، مستعدة في أية لحظة لتطفو في السماء وتختفي للأبد»، حتى تطرّف المناخ يكتسب قوة وجودية داخل الحبكة، ويسهم في تقزيم التفاعلات البشرية وخنقها.

أما المساحات الداخلية، فهي تتراوح كذلك بين فلكي الملجأ والسجن، فكل شيء في القصة يصبح عديم الوزن في البرد.

التبديل بين وجهات النظر أمر يتطلب تركيزاً كبيراً، من أجل أن يفهم القارئ بأن الأم والابن شخصان منفصلان، ففي مكان ما من الرواية، تطل وفرة تفاصيل موجعة متعجلة خالية، إلا من نذر عاطفة، ولكنها تضفي إلى مسار الحبكة لإنتاج أثر أكبر على شاكلة، شعور بالرعب والفراغ والوحدة يطبع حياتنا اليومية واتصالاتنا المفقودة مع الآخرين.

مسار متوازٍ

ويُحسب لأورستافيك براعة الأسلوب الذي تنقلت من خلاله بين حالتي وعي البطلين من فقرة لأخرى، بحيث إن قصة كل منهما اتبعت مساراً متوازياً مع الآخر، في ما يشبه مساري قطار لا يلتقيان البتة، بالرغم من تقاربهما اللصيق مادياً، ولا يمكن للقارئ إلا أن يستشعر طبقات من حميمية يومية غير ملحوظة ومساحات شاسعة من البعد العاطفي المرصوص بين السطور، لعلاقة موصولة بخيوط عنكبوت، قد لا تكون موجودةً أصلاً إلا في رغبة قارئ للوصل بينهما.

كما تنجح الكاتبة في صياغة إحساس سينمائي من الذعر بأسلوب نثري بسيط، وعبارات متلاحقة تتكدّس كثلوج متساقطة بصمت.

ويبدو أن حجم التناقض بين العوالم الداخلية لكل من الابن جون والأم فيبكي لا يطاق، حيث يتبدّى واضحاً أنه في حين تحتل الوالدة حيزاً كبيراً من تفكيره وخياله، لا تفكر هي إلا بنفسها. وقد وجدت أورستافيك السياق أرضاً خصبة لتقديم دراسة مقشعرة عن الغيرية والاختلاف واللهفة، حيث غاصت عميقاً في مذهب الأنا المغيظ للحياة الداخلية.

لعلنا نعجز، وبشكل مطلق، ربما أن نكون على هذا القدر من التقارب، والالتصاق مع الآخر بقدر ما تجعلنا فكرة الحب، حتى لو كان هذا الشخص أحد والدينا أو ابننا. إننا دوماً بانتظار أحدنا الآخر، مشتاقون له.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات