مراسلات تحكي عظمة الإنسانية

إدموند بيرك.. حساسية العطاء وإجلال كرامة المحتاج

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

أن تنفق قليلاً وتعطي كثيراً، أعظم مجد يمكن أن يطمح إليه إنسان، قال الفيلسوف الأنغلو إيرلندي إدموند بيرك، الذي اعتبر مخلوقاً نادراً من نوعه، وأحد أشرس المدافعين عن الحرية، الذي كتب عن السخاء وأهمية مراعاة كرامة المحتاج في رسالة مميزة إلى ولديه تورد كيفية أن يعطي المرء بحساسية. وقد أدرجت ضمن مؤلف بعنوان «مراسلات فخامة إدموند بيرك».

على الرغم من مرور مئات السنوات على وفاته، تخضع أفكار بيرك لنوع من الاختطاف لغايات محافظة، وقد اعتنقها في أيامه الليبراليون والمحافظون على حدٍّ سواء. وقد عرف بالمناضل المدافع عن الحرية والناقد المفوّه ضد الاستعمار البريطاني.

وكان له بالغ التأثير على عدد من المفكرين اتسعت رقعتهم لتضم ماري شيللي، مؤلفة رواية «فرنكشتاين»، ووالدها الفيلسوف الراديكالي ويليام غودوينن وعباقرة الشعر الرومنطيقي كوليريدج ووردسوورث، ومشعل عصر التنوير الفيلسوف إيمانويل كانط، ومؤسسي الليبرالية جون ستيوارت ميل وهارييت تايلور، وعرّاب فكرة السوق الحرة آدم سميث.

طيبة

غير أنه وبمعزل عن المدى الذي بلغته التبعات السياسية لكتابات بيرك المنشورة، فقد كان ينبعث من رسائله الخاصة إحساس يدل على طيبةٍ كان يتسم بها. وقد تجلّت تلك الأصالة والروح الطيبة في أبهى معانيها برسالة حارة بعث بها رجل في الرابعة والأربعين من العمر إلى ولديه في صبيحة يوم باريسي بارد.

واتجه إلى ابنه البيولوجي الوحيد الناجي وابن ابن عمّ له يتيم تبناه قائلاً بعذوبة وبساطة، «إلى ولديّ» قبل أن يشرع في السؤال عن صحتهما ومدى تأقلمهما في منزلهما الجديد، لينتقل فيما بعد إلى إعطائهما بعض النصائح الأخلاقية الرائعة مع انطلاق كل منهما في حياة الشباب المستقلة.

وفيما حض بيرك ولديه على الاعتناء بنفسيهما، دعاهـــما إلى التفكر ملياً في الخط الفاصل بين الاهتمام بالــذات والانغماس الذاتي. وكتب في أحد المـــقاطع يقـــول: «حين أتمنى منكما تجنّب الإسراف في النفقات، كمنح الفكر عادات سيئة، فاعلما أني أتمنى تجنيبكما كل ما هـــو خسيس ودنيء ومتعصب وغير متسامح، وكل ما يحمل سوء التطرف».

سخاء

وينتقل بيرك للحديث عن مسألة السخاء المرافقة، الذي وضعها في صلب كونه الأخلاقي بوصفه رافعة العدالة. كما رسم خطاً آخر يعنى بالحساسية العظمى والفارق البسيط، متحدثاً عن كيفية العطاء بإحساس، على نحو لا يصبح مظهراً من مظاهر التعالي أو فرض مبدأ المديونية، بل كفعل يحترم الكرامة الإنسانية لمتلقي العطاء، مهما بلغت درجة حاجته.

وجاء من ضمن ما كتبه بيرك: «كونكما يافعين اليوم تحملاني وأنا أعطيكما توجيهات بسيطة حول مبدأ العطاء.

فحين تشتركان في هذا الفعل مع أشخاص متواضعي الإمكانيات لا تعطوا أكثر ما يعطون، لما قد يشكله ذلك من إساءة لهم، أكثر مما يخدم أولئك الذين يرغبون بإعانتكما البسيطة. وكل ما عد ذلك قوما به بشكل منفصل. إنما حافظا على عادة العطاء مهما كان صغيراً، ولا تفقداها.

وحين أتحدث عن العطاء، فأنا أدرك أنكما لستما ثريين وقد لا تصبحان مطلقاً، وهنا يأتي دور العدالة. فمهما كان عطاء المرء، فإنه يجب أن يأتي مما ينفقه، وليس من المدفوعات الأخرى،»فأن تنفق قلــيلاً وتعطي كثيراً، أعظم مجد يمكن أن يطمح إليه إنسان".

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات