كتاب لميليندا غيتس يدعو إلى كسر القيود

«لحظة نهوض» يغيّر تمكين المرأة في عالمنا

إننا بحاجة لهذه الرسالة اليوم أكثر من أي وقت مضى، تقول مالالا يوسفزاي في وصف كتاب ميليندا غيتس «لحظة نهوض: كيف يغير تمكين المرأة العالم»، لكن ما الذي يعنيه كتاب كهذا من تأليف واحدة من ثالث أقوى نساء العالم بحسب تصنيف مجلة «فوربس» العالمية.

إن الكتابة حول «المانيفستو» الخيري لغيتس تطرح تحدياً جوهرياً محتوماً. فما المقاييس التي يتعين على أساسها تقييم كتاب تتساوى أجزاؤه وتنقسم بين المذكرات وبيان المهمة وعرض تقديمي ملهم ونقد اجتماعي؟ ويطرح سؤالاً مهماً حول ما الذي يحاول تحقيقه.

الإجابة قد تكون مستحيلة بالنسبة لمعظم أقسام الكتاب، فقد اعتمدت غيتس الإطالة في سرد روايات مؤثرة واختصرت في الجدل. تكتب كثيراً حول تمكين النساء لكن من الصعب معرفة كيف تتوقع من قراء بلا ثروات تكنولوجية أن يفعلوا.

أشارت ميليندا، في ملاحظة تركتها حول كتابها إلى أن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطبع حياتها هو: كيف يمكنني أنا أو أي منا المساعدة في استجماع لحظات استنهاض بعضنا بعضاً؟ وتؤكد بأنها أدركت بأن الأمر برمته يعتمد على النساء والفتيات. ذلك أنه على مرّ التاريخ هؤلاء كن مهمّشات، محرومات من فرص متكافئة في التعليم والقيادة والكسب والنجاح والنهوض. وحتى زمننا هذا لم تحقق النساء بعد المساواة التامة، كما أكدت الكاتبة.

غيتس ليست الوحيدة في طرحها هذا، وتأتي مذكراتها سرداً يسجّل مسار إدراكها لما توافق عليه الخبراء المشتغلون بحلّ مشكلات العالم الشائكة، إنه بمساعدة المرأة، تساعد جميع الناس، في مختلف المجالات سواء تلك المتعلقة بتغيّر المناخ، وتخفيض معدّل وفيات الأطفال والشفاء من الإيدز، وكذا تحقيق أرباح أكبر في الشركات.. واللائحة تطول.

20

أمضت غيتس من خلال عملها الخيري، عقدين من الزمن تجوب أنحاء العالم، وتلتقي رجالاً ونساءً يعيشون في أصعب الظروف التي لا تقتصر على المشي لست ساعات يومياً للحصول على المياه النظيفة، والإرغام على الزواج بسن مبكرة، إضافة للأمية وعدم إمكانية الوصول لأبسط أدوات الزراعة أو البذور.

وتروي قصصاً عن هؤلاء، صادقة وممزوجة بالقسوة، تفطر القلوب، وتزخر بالإلهام والانتصارات، تجزم معها أن النساء المتمكنات يرتفعن ويرفعن عائلاتهن ومجتمعاتهن معهن. وتدعونا في لحظات حساسة للأخذ بزمام المبادرة وتحضنا على الانطلاق بمسيرة التقدم من قلب بيوتنا وأمكنة عملنا ومجتمعاتنا.

وتعرّفنا غيتس بأسلوب يعبق بالعاطفة والصراحة والرشاقة على نساء متميزات وتظهر لنا قوة الاتصال والتواصل، كما تضفي عدداً من الروايات الشخصية في محاولة منها، كما أشارت، في إحدى المقابلات لكسر الفروقات بينها وبين النساء الأخريات.

وتسرد روايات تتناول أسباب اختيارها السير في طرقات قلما يتم اختيارها، بما فيها القرار الصعب بأن تصبح المدافعة الرسمية الشرسة في مجال تنظيم الأسرة، والقنبلة السياسية والدينية الموقوتة في عدد من الأماكن في العالم، لا سيما الولايات المتحدة. وتكتب غيتس هنا بأنها أصابت التوقع بأن ذلك سيعرضها للكثير من النقد نظراً لتربيتها الدينية المحافظة، وأنه سيقصيها عن العمل المؤسساتي وعن عائلتها، وتضيف قائلةً: «لكنني بدأت أشعر أنه إذا ما كان هناك أمر يستحق دفع مثل هذا الثمن، فسيكون ما أقوم به».

وقد أتى سرد ميليندا المؤثر مستنداً إلى بيانات مذهلة تستعرض أدق القضايا التي تحتاج للاهتمام، بدءاً من زواج القاصرات ووصولاً إلى عدم المساواة في سوق العمل.

كما قامت، للمرة الأولى، بالكشف عن تفاصيل من حياتها الشخصية وعن الطريق نحو المساواة الذي سارت عليه في زواجها. وقد أظهرت من خلال السرد أنه لم يكن هناك كما اليوم من فرصة مؤاتية أكثر لتغيير العالم وأنفسنا على السواء. الصفحة الأصعب التي كتبتها ميليندا، وفقاً لاعترافها كان سوء المعاملة الذي تعرضت له على يد رجل كانت تفكر في الاقتران به.

وتوضح غيتس بأنها لا تدعو على الرغم من أهمية المسألة بذاتها، لتمكين المرأة من أجل مصلحتها فقط، بل لما فيه مصلحة العالم ككل. وتقول في أحد فصول الكتاب: «لم أفكر يوماً بأن النساء أفضل من الرجال أو أن الطريقة الأمثل لتحسين العالم تتمثل في حصول النساء على المزيد من السلطة أكثر من الرجال. إن كسر ثقافة الهيمنة، حين يحصل يفعّل القوة في داخلنا جميعاً».

إن كتاب «لحظة نهوض: كيف يغير تمكين المرأة العالم» يملأ القلب بالأمل ويمدّ القارئ بالعزم على تمكين ذاته والآخرين، ويستفز مشاعر إلحاح المسألة ويتركك مقتنعاً بأن قضية العدالة لا تحتمل الانتظار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات