مارغريت أتوود في أفضل ما كتبت

«الوصايا».. رواية تشعر القارئ بدوران العالم

بعد 34 عاماً من إبداع «قصة الخادمة» قررت الروائية الكندية مارغريت أتوود أن تستكشف بداية نهاية جلعاد، فكانت رواية «الوصايا» التي أدخلتها القائمة القصيرة لجائزة «مان بوكر»، بعد أن صنفت صحيفة «غارديان» اللندنية العمل بأنه حدث العام الأدبي، وقال فيه بيتر فلورنس، من لجنة حكام جائزة بوكر «إنها رواية جميلة ومتوحشة في آن، تحاكي كلاً منا اليوم، أينما كان في هذا العالم. لقد رفعت أتوود السقف عالياً وحلّقت بعيداً فوقه».

 

تستهل أحداث رواية «الوصايا» بعد 15 عاماً من انتهاء فصول «قصة الخادمة»، حيث يذكر القراء بطلتها أوفريد وهي على وشك الهروب من جلعاد إما نحو الفخ القاتل، أو الحرية في كندا. وقد أقرّت أتوود في إحدى المقابلات أن تحدّي إعادة خلق صوت أوفريد المغنطيسي العميق شكل عائقاً إبداعياً لكتابة التتمة بعنوان «الوصايا».

لا بدّ أن أتوود كان لديها الكثير لتفكر فيه منذ تحقيق رواية «قصة الخادمة» نجاحاً متفجراً، لا يقتصر على الاقتباس التلفزيوني الكاسح وحسب، بل لما شكّله من رمز قوي لمقاومة كره النساء واليمين السياسي الديني عموماً، سيما أن السلسلة التلفزيونية قد تحولت إلى تضخيم مرئي لمآسي العصر أو لعذابات الإناث على الأقل. وكان يصعب النظر إلى المسألة أحياناً كما إشاحة النظر عنها.

وتستعيد أتوود في «الوصايا» الحق في النظر في تلك المصاعب بدلاً من تخيّلها وحسب. وتولي اهتماماً ليس حيال تحوّل الناس لفاسقين، بل لكيفية تحولهم إلى منتَقصين أخلاقياً. وفيما تعرّي أتوود الوصايا، تكشف عن لبّ صنائع جلعاد متمثلة في مواجهة كل امرأة، مرغمةً، مع حقيقتها، ومع الحدود التي يمكن أن تذهب إليها دفاعاً عما تؤمن به.

لا تدور «الوصايا» حول نساء عاديات، بل نساء استثنائيات يجاهرن بالحقيقة في وجه السلطة، نساء ثائرات ينجحن في التصدي للحكومة التوتاليتارية دون أن يتعرضن للسحق. الرواية وجدت لتودع ثقوباً في التخيلات أكثر مما تحتويها، إنها رواية تحفيزية على نحو يتفوق بأشواط على ما حاولت سابقتها تحقيقه.

كان من السهولة على أتوود التي عادت بنا في «الوصايا» إلى جلعاد أن تعيد تناول الرداءات الحمراء والبناء على الصور عينها، إلا أنها ركّزت على النساء اللواتي يخدمن مصالح جلعاد بطرق مختلفة. فالخادمات لم تكنّ مستبعدات إطلاقاً عن قصص وتفكير الراويات الثلاث في الوصايا، كأغنيس جيمينا التي كبرت في جلعاد، وديزي التي حملت معها الرعب من كندا، والعمّ ليديا، الشخصية الرئيسية من الرواية السابقة. ومع ذلك، فقد كانت أتوود أكثر انشغالاً بحياة ما يعرف بالعمّات أو النساء اللواتي يربين الخادمات، أو العمات المتدربات، وأطفال الخادمات الذين يتربون على أيدي القادة وزوجاتهم.

ومن خلال أعين هؤلاء ونظرتهم الضيقة نعود إلى منازل جلعاد ومدارسها أيام الحرب بعد 15 عاماً من أحداث «قصة الخادمة». وتتوافق قصص الشخصيات مع روايات أوفريد ببعض النواحي كما توفر رؤية جديدة للتقاليد المألوفة وبعض التدابير الجديدة. وتتبدّى الخطوط العريضة لـ«قصة الخادمة» في الوصايا لمنح على الأغلب زخماً للرحلات العاطفية والوجدانية للبطلات الجديدات.

إنها خطوة متبصّرة تتيح لأتوود العودة إلى موضوعات الخضوع والأخوّة من دون التقيّد بحدود البطلة الأصلية، أوفريد والخادمات وكل الاعتراضات والمحاكاة الساخرة المخزونة داخل تلك الرداءات الحمراء والقلنسوات البيضاء. ليس هناك شيء مما أمكنت لأتوود أن تكتبه كان ليمنح الصورة قوةً أكثر مما فعلت، لقد رسمت ملامح صورة متكاملة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات