«جدار الأشباح».. دروس التاريخ الرهيبة - البيان

العصر الحديدي بطقوسه يلتقي مع العنف بحاضره

«جدار الأشباح».. دروس التاريخ الرهيبة

«يخرجانها فتتعثّر فيحملانها. لا حاجة إلى الخشونة، الجميع يعلم ما سيحدث». فتاة مقيدة خائفة على وشك أن تُلقى في مستنقع.

كل هذا يحدث ليس فقط بقبول عائلتها والجيران، لكن بتشجيع منهم. طقس ضروري لتقديم شيء للأرض من أجل الحصاد الوفير. بجذور في ماضي إنجلترا السحيق، يلتقي العصر الحديدي بطقوسه الرهيبة في التضحية بالبشر، مع العنف وسوء المعاملة في زمننا المعاصر، في رواية جديدة للكاتبة البريطانية سارة موس.

رواية «جدار الأشباح» تدفع بها حبكة مُتوتّرة في مكانٍ خارج المألوف، وتستهل بمقدمة قاتمة وخاتمة مثيرة، وهي مُشبعة بالأناقة المُميّزة للكاتبة القديرة وبصيرتها وإحساسها بقوة الطبيعة.

حبكة

تدور الرواية في أسبوع صيف حار في نهاية القرن 20 بعد سقوط جدار برلين. سيلفي الفتاة المراهقة البالغة 17 عاماً مع والديها في بِعثة تخييم أثرية تجريبية في ريف نورثامبرلاند، إلى جانب بروفسور ومجموعة من الطلاب، يخططون للعيش كما كان يفعل «البريطانيون القدامى» في العصر الحديدي، مُحاطين بغابات البتولا، حيث لا شيء يجري تناوله دون اصطياده أو قطفه، وحيث الاعتماد على الشمس بدلاً من الساعة.

والد سيلفي بيل سائق الحافلة هو مؤرخ هاوٍ مهووس بماضي بريطانيا السحيق، وقد علم نفسه مهارات البقاء الذي يفترض بالطلاب اكتسابها، ولهذا السبب تمت دعوته إلى رحلة التخييم، وقد اصحب العائلة معه، وهو عازم على الحاق والدة سيلفي، بالبعثة لتكون الطباخة الرئيسية هناك، حيث لا يمكنها حتى مشاهدة التلفزيون.

لكن هذه الطهارة الأيديولوجية والأعراف الاجتماعية التي حملها معه إلى البعثة (ينبغي على النساء أن يعرفن حدودهن)، لا تتوافق مع البروفسور وحماسة الطلاب؛ فالبروفسور سلايد، الذي يرتدي جوارب التنس لكي لا يصاب بالبثور، على استعداد لثني القواعد قليلاً في اختبار لطعم الحياة ما قبل التاريخ، لكن والد سيلفي الدقيق يصر على الأصالة قدر الإمكان، على الرغم من العبء الذي يحمله لزوجته وابنته.

ثراء

القصة تدور داخل أميال معدودة، حيث تتقاطع دروب الشخصيات بشكل مستمر، وتصف الكاتبة المناظر الطبيعية وطبيعة الأرض بثراء وجمالية وبإحساس لما يعنيه «السير في الأرض كما كان يفعل أجدادنا في غابر الأزمان»، حيث أصوات الجداول ومشهد الفراولة البرية الحمراء شديدة النضارة في الغسق. وتصف الكاتبة في مقاطع جميلة جانباً من المشهد الطبيعي:

«لمحت أجمة من النباتات العطرية الرطبة ذات الأوراق الرمادية الفضية تميل فوق الماء المتدفق، فاتجهت نحوها، وفركت ورقة بين أصابعي واستنشقت رائحة الكينا وخشب الصندل. وقرفصت قليلاً على حافة النهر أنصت لأصوات الليل، فلا طيور في السماء في هذه الساعة، فقط صوت الجدول الذي يسارع جرياً فوق الحجارة المصقولة بشكل مستدير، وحفيف أرواح صغيرة عن قرب، وبومة عن بعد، واستجابة أقرب».

لكن هذا الانغماس في جمال الطبيعة سرعان ما ينقلب في يد الكاتبة إلى صور لجماجم معلقة على رؤوس أعمدة. عنوان الكتاب «جدار الأشباح» يمثل جداراً مزيناً بالجماجم والعظام لإخافة الغازين.

كما يمثل إطاراً رمزياً لشبح العنف والخضوع وسيطرة الرجال التي ترفرف فوق المكان. بناؤه من قبل مجموعة التخييم يُحدث ارتباطاً روحياً مع الماضي في العنف الذي يرحب به والد سيلفي، بيل، على نحو مثير للقلق، الذي كان قد ربى ابنته على قصص الإنسان القديم، وأخذها لمشاهدة أدواته النادرة، وحكى لها عن طقوسهم.

وتعود الكاتبة المفتونة بالأجساد المعزولة باستمرار إلى جسد الفتاة المراهقة، التي كانت قد سميت سيلفي تيمناً برمز الجداول، سوليفيا، في نورثامبريان، وهو الأمر الذي سيثير عند اكتشافه نقاشاً بين الطلاب عن الرغبة المدفونة في تأسيس هوية إنجليزية أصيلة، تفكر سيلفي:

«للقيام بذلك بشكل صحيح علينا أن نلغي أنفسنا من أنفسنا، ونترك أفعالنا وإعادة أفعالنا، لمن ليسوا هناك بعد الآن. من هم الأشباح، أنحن أم أمواتنا؟ ربما تخيلونا أولاً، ربما تم استحضارنا من الماضي السحيق من جانب عقول أخرى».

حياة أخرى

وتظهر موس توق الفتاة المراهقة للحياة والتجربة والصداقة بكتابتها الحسية بالأصابع الزرقاء نتيجة لقطف التوت البري. ومع اختلاطها بالطلاب، تبدأ سيلفي في سماع وتخيل نوع آخر من الحياة، يشمل الذهاب إلى الجامعة والسفر واختيار ملابسها والتحدث عما يدور في خاطرها.

وستتقرب من الطالبة مولي التي سيعزز تمردها وتهميشها لقواعد المخيم قوتها، فتخرج عن سيطرة والدها، حيث تنقل الكاتبة أحاسيس المراهقة بالفضولية والرغبة والخوف، بتوتر يتصاعد عبر الصفحات. وتكشف موس كيف تصبح مقاصد الولد بيل أكثر تطرفاً تزامناً مع نمو قوة ابنته سيلفي، وكيف يدمن على طمس الخطوط بين الماضي والحاضر بتأثير شرير.

الرواية مليئة بالحقائق غير المريحة عن العالم المعاصر؛ العنف المنزلي يجد جذوره في تضحيات طقسية قديمة، وهو قوي كما في خرافات العصر الحجري.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات