«معطف» غوغول.. رسائل أخلاقية في قالب أدبي ساخر

قد تختلف الآراء التي تنسب جملة «لقد خرجنا جميعاً من تحت معطف غوغول!» بين فيودور دويستويفسكي وإيفان تورغينيف، لكن أياً كان قائلها، فقد أصاب بلا أدنى شك.

إنه وصف ينطبق على كاتب يلخّص سحر موهبة الكتابة الروسية بمختلف المستويات الأدبية والرمزية، في آنٍ معاً. تشكل قصة" المعطف"، التي تعدّ أفضل الروايات الإبداعات الأدبية، القصيرة، وأكثرها تأثيراً ربما في الأدب الروسي، ركيزة الواقعية الروسية للقرن التاسع عشر.

معطف البطل

ينطلق غوغول في رسم صورة غير مؤثرة عن أكاكي أكاكيفيتش باشماشكين، ويختبر عبر فصول القصة قدرتنا على التعاطف مع شخصية الموظف الحكومي البسيط، الذي يجمع بين قدرة الانتباه للتفاصيل والحسّ الاجتماعي الساخر اللاذع للبيروقراطية التافهة الشريرة.

بدا أكاكي، بطل غوغول، غامضاً وأثيرياً، وحقيقياً على نحو مثير للشفقة بمعطفه الرث في رواية تمتزج فيها غرابة الأطوار بمصداقية رعناء، وبسبب القذارة بالطموح الفكري الجامح، وشخصيات تقفز من الصفحات بعد بضع جمل.

تخبر قصة «المعطف»عن حياة وموت أكاكي أكاكيفيتش باشماشكين التي ارتأت أن تسميته ستكون قدره المحتوم، ويعني أولها «البراز» وآخرها «الحذاء». إنه مجرد موظف عادي مثير للشفقة، وهو في الواقع كاتب في متوسط العمر ومستشار فخري في مؤسسة ما من مؤسسات الخدمة المدنية في روسيا. ولا يظهر أكاكي بالرغم من دناءة الموضع وتعليقات زملاء العمل الساخرة من معطفه البالي الرقيق.

أي استياء من حالته، بل يطيب له العمل فيما يعتبره عالمه الخاص الممتع. إلا أنه يجد عالمه ذاك وقد أصابه الاضطراب حين يدرك حتمية شراء معطف جديد، وبتكلفة تفوق قدراته بأشواط. وعلى الرغم من استيائه المبدئي، لكنه سرعان ما يجد في مسعى الادخار وتصميم المعطف الجديد هدفاً أسمى، وفكرة تسبب له الارتياح.

يحلّ يوم تلقي المعطف ليكون الأسعد في حياته، لكن ما يلبث أن يسرقه منه اللصوص في طريق العودة من الاحتفال باقتنائه، وتتوالى الأحداث التي تذهب به إلى توسل شخصية مهمة ترفض مساعدته، فيموت بحرقة المعطف.

انتقام الشبح

لكن القصة لا تنتهي هنا إذ يبدأ شبح أكاكي يطارد أهالي سانت بطرسبرغ ويسرق معاطف المارة، ولا يهدأ له بال إلا حين يستولي على معطف شخصية المسؤول الهام.

وقد أماط غوغول في روايته اللثام عن عدد من القصص التراجيدية والنكات المثيرة للسخرية بتخيل مجموعة واسعة من الأدوار التي يمكن أن يؤديها معطف في مجتمع مضطَهِد بيروقراطي غارق في الماديات. وأظهر للقارئ بأسلوب لا يفتقر إطلاقاً لحس الفكاهة تصورات متعددة لمعطف قادر أن يمثل ببساطة أحد ضرورات الحياة الكريمة، وموضوع مادة تحظى بوافر الاحترام، ورابط هشّ يجمع بين الإنسان و«أخيه»، وكان الأسوأ ربما تصوير المعطف بأنه مثار غضب الأشباح.

ونجح غوغول على امتداد المشهديات المبالغ في تصويرها بتحويل المعطف إلى حافز يعبّر عن مخاوف حقيقية لصيقة برفاه الإنسانية، وبالتالي يكشف عن هواجس تتميّز عن سواها من الموضوعات الكوميدية المدرجة في القصة.

ويمهّد غوغول للنبرة التراجيدية في روايته بأن يطالع القارئ بشخصية الراوي بلسان الغائب الذي يعاين المتوازيات القائمة بين أكاكي أكاكيفيتش، الموظف المعدم، ومعطفه المهترئ الذي غالباً ما يمثل صورته في المجتمع.

حرفية عالية

وقد حملت قصة غوغول بالرغم من بساطة الحبكة والبنيان رسائل أخلاقية تتسم بعمق يتخطى المكان والزمان. وأبرزها ثيمة الرجل الحقير لفقير معدم لا يحظى باحترام أصحاب المراتب الأعلى شأناً وتدفعه ظروف الحياة إلى حافة اليأس والانهيار. ويعي هذا النوع الاجتماعي النفسي من الأشخاص انعدام أهميته على نحو مثير للشفقة، لكن غالباً ما تتولد ظروف يجرؤ فيها على التحدي في وضع ينقلب في نهاية المطاف إلى خاتمة قاتلة لصاحبها.

وتجعل اللمسات التي يضفيها غوغول من قراءته تجربةً مباشرة ومحفزة. وترقى استعادته لذكريات المشهد والمكان، لاسيما لسانت بطرسبرغ إلى مصاف أجود أمثلة الكتابة الوصفية في الأدب الروسي. أما رسم المسافة بينه وبين شخصياته، بحيث يبدو الراوي والمؤلف وكأنهما شخصان مختلفان، فيتسم بحرفية عالية تبلورت أكثر فأكثر وتنمّقت على امتداد مسيرة غوغول المهنية.

بطاقة تعريف

وتمثل هذه الرائعة قيمة إبداعية رفيعة المستوى للكاتب الشهير نيكولاي فاسيليفيتش غوغول، الذي ولد عام 1809، في مدينة سوروتشينتسي الأوكرانية التي كانت حينها جزءاً من روسيا القيصرية.

وعاش هناك حتى التاسعة عشرة من عمره، قبل أن ينتقل للعيش في سانت بطرسبرغ عاصمة الإمبراطورية. وأمضى غوغول فيما بعد عدداً من سنوات حياته متنقلاً بين كل من ألمانيا وسويسرا وفرنسا قبل أن يستقر في نهاية المطاف في إيطاليا.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات