تطور أزياء العالم.. قيم فنية أثرت مدارس التشكيل

صورة

لم يعد الفن في وقتنا الحالي مقتصراً على مهام ووظائف محددة، بل أصبح يتدخل في كل شاردة وواردة من حياتنا، من بينها الأزياء وإكسسواراتها، التي لم يعد الخيط الذي يربطها بالفن التشكيلي رفيعاً، وإنما هو غليظ ويزداد متانةً يوماً بعد يوم، وهي علاقة ليست جديدة، وإنما تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، حيث وُلد مفهوم الـ(هوت كوتير) الذي منح الأزياء لغة خاصة، عكست تطورات العصر وتبدلاته المتلاحقة.

تاريخ

برز ميل الإنسان الفطري للتزين والتجمل بالأزياء، منذ تعرف لأول مرة على خامات صنعها.

فبعد أن استنفد الغايات الماديّة المباشرة منها، في حماية جسده من عوامل الجو المختلفة، أخذ يُدخل إليها الألوان والأشكال والزخارف والمحسّنات الجمالية الأخرى (وفي وقت لاحق تصاميم جديدة)، وهذه العمليّة مرت بمراحل مختلفة من التطور الذي كان يطال مرافق حياته كافةً، بما فيها أزياؤه التي وثّقت لها دراسات وكتب عديدة منها موسوعة مؤلفة من عدة أجزاء تحمل عنوان (تاريخ الأزياء وتطورها) للدكتورة تحية كامل حسين، وموسوعة (تطور أزياء العالم عبر العصور) للدكتورة علية عابدين، يُضاف إليها سلسلة طويلة من الكتب العربيّة والأجنبيّة التي تناولت اللباس والزينة في العالم العربي، وفن تصميم الأزياء، وتقنيات أسلوب التشكيل على المانيكان، وتصميم الأزياء والتشكيل على المانيكان.

بدأ الفن التشكيلي بترك بصماته الخاصة على تصاميم الموضة والأزياء وإكسسواراتها، بحيث أصبحنا نرى لوحات وشعارات وتواقيع أسماء فنانين عالميين كبار، على الفستان، والمعطف، والشال، وربطة العنق، والقميص، والبلوزة، والمحفظة، والقبعة، وحتى الحذاء أمثال: دافنشي، بوتشللي، رامبرانت، مانيه، فان كوخ، جوجان، دالي، ماغريت، بيكابيا، ديراني، وآندي وورهول.. وغيرهم.

ولتجذر العلاقة المثيرة للجدل بين الفن التشكيلي والموضة، بدأت الأكاديميات والمعاهد الفنيّة تُفرد لها الأبحاث والدراسات، وتقوم بتقييم نتائجها وتحليلها، محددة الجوانب الإيجابيّة والسلبيّة فيها، ولا سيّما أن فن تصميم الأزياء ذهب بعيداً في تأثره بنزعات ومذاهب ومدارس واتجاهات الفن التشكيلي المختلفة، بدءاً من الواقعيّة الأكاديميّة وانتهاءً بالتجريديّة.

ففي العام 1990 وضع الباحث يسري معوّض رسالة دكتوراه بعنوان (دراسة العلاقة بين المدارس الفنيّة وتصميم الأزياء) تناول فيها بالتحليل تأثير الاتجاه السوريالي وفن خداع البصر على الموضة. وفي العام 1996 وضعت الباحثة نيرمين عبدالرحمن رسالة ماجستير بعنوان (أثر التكعيبيّة والتجريديّة على الموضة في مجال تصميم الأزياء).

وفي العام 2000 وضع الباحث نشأت نصر الرفاعي أطروحة دكتوراه بعنوان (إعداد برنامج لتذوق الفنون الحديثة في مجال تصميم الأزياء).

وفي العام 2004 وضعت الباحثة عبير إبراهيم أطروحة دكتوراه بعنوان (توظيف زخارف العصر المملوكي بمصر لإثراء التصميم على المانيكان في ضوء المدرسة الوحشيّة). وفي العام 2007 وضع الباحث أشرف عبدالحكيم دراسة بعنوان (الأعمال الفنيّة لأعلام المذهب التجريدي الهندسي كمصدر لتصميم السويت شيرت).

مقاربة الموضة

شهدت بدايات القرن الماضي تسابقاً ملحوظاً بين (إيطاليا) و(فرنسا) لإثبات الوجود والتفوق في تصميم الأزياء، من خلال تجديدها ومنحها هوية وطنيّة متفردة الخصائص والمقومات، يدفعهما إلى ذلك، هدف السيطرة على سوق الموضة العالمي.

لهذا لجأت بيوتات الموضة في البلدين، إلى الفنانين التشكيليين المعروفين، للاستفادة من إبداعاتهم وتوظيفها في طرح منتج جديد، يمثل الخصائص الحضاريّة للبلد، من جهة، ويمنحه المقدرة على المنافسة والتفوق، من جهة ثانية.

حالة التنافس هذه (ولا سيّما بين بيوتات الأزياء الفرنسيّة والإيطاليّة) ما زالت قائمة حتى اليوم، ولا يزال عدد كبير من الفنانين التشكيليين، يُساهمون في هذا التنافس.

في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، تصاعدت توجهات الموضة للاستفادة مما تفرزه محترفات الفن التشكيلي، من مدارس وأساليب ومذاهب فنيّة جديدة.

فقد ظهر العديد من التصاميم الغريبة والعجيبة، لأزياء وإكسسواراتها، نُفذت بالتعاون بين مصممي أزياء وفنانين تشكيليين مشهورين.

لاقت هذه التصاميم، استحساناً منقطع النظير، ما دفع باقي مصممي الأزياء للتسابق نحو محترفات الفنانين التشكيليين المشهورين، والبحث بين جدرانها، عن الأعمال الفنيّة المناسبة لتأخذ طريقاً إلى أزيائهم وإكسسواراتها، غير أن عملية الجمع بين الجانب (الفني) و(التجاري) لم يفز بها كل من خاض هذه المغامرة، فقد اضطر معظم دور الأزياء التي طغت في منتجاتها القيمة (الفنيّة) على القيمة (التجاريّة) إلى إغلاق أبوابها، لكنها فتحت الأبواب على مصاريعها، أمام مزيد من التفاعل والتعاون، بين (الموضة) و(الفن التشكيلي) حيث قام مصمم الأزياء الفرنسي الشهير (بول بواريه) بزج بعض معارفه من الفنانين التشكيليين كفرنسيس بكابيا، وموريس فلامنك، وأندره ديراني، للعمل معه، في تصميم الأزياء، وهو ما قام به فنان البوب الأميركي الشهير (آندي وورهول) الذي جاء إلى الفن في الأساس من عالم الموضة، حيث عمل في البداية رسام أحذية في مجلة (غلامور) ثم في (فوغ) و(هاربر بازار).

متاحف ومعارض

تنامي وانتشار ظاهرة مقاربة الموضة والفن التشكيلي، والارتدادات الإيجابيّة على الفنين، اضطرت المتحكمين بحواضن الفن التشكيلي من متاحف وصالات عرض ومحترفات فنانين، والمعارضين في الأساس لهذا التوجه، إلى فتح أبواب هذه المفاصل، أمام صُنّاع الموضة التي بدأت تتحول بالتدريج، إلى فن قائم بذاته، سرعان ما تمكن من لمّ العديد من كبار الفنانين حوله، ولا سيّما بعد أن وفرت لهم بيوتات الموضة وفرة ماديّة كان معظمهم بحاجة ماسة لها، إضافة إلى الشهرة والانتشار بين شريحة واسعة من زبائن الموضة الأثرياء، الذين أصبحوا في ما بعد من مقتني أعمال هؤلاء الفنانين.

ولم يقتصر دور الفنانين التشكيليين على المساهمة بتصميم الأزياء وإكسسواراتها، بل دفعت البعض منهم إلى بيع توقيعه ليأخذ طريقه إلى: الفستان، والمعطف، والقميص، وربطات العنق والقبعة، والحزام، والجراب، وحتى الأحذية التي تنتجها كبرى دور الأزياء العالميّة.

حصة

من جهتهم، قام العديد من مصممي الأزياء العرب، باستلهام الكثير من اللوحات الفنيّة وإيداع أقسام منها تصاميمهم.

منهم مصممة الأزياء الإماراتيّة (لمياء عابدين) التي لوّنت المجموعة العاشرة من أزيائها البالغ عددها نحو 75 قطعة، بعوالم ساحرة مستوحاة من عالم الفن التشكيلي، مؤكدةً أنها تخيّلت وهي تصممها، (موناليزا) دافنشي، وفتاة لوحة يوهانس فيرمير المسماة (الفتاة وقرط اللؤلؤ) وهما ترتديان أزياءهما، إضافة إلى استلهامها لوحات عالميّة أخرى كثيرة، تعود لأكثر من عصر واتجاه.

أما الفنانة التشكيليّة ومصممة الأزياء (نيفين عز الدين) فقد لجأت لتوظيف رسومها في تصميم أزيائها، وذلك في محاولة منها لكسر جمود لون القماش الموحد، الأمر جعل من أزيائها امتداداً للوحاتها.

واستطاعت (برديس أحمد جمال الدين) أن تنقل الأزياء المصريّة إلى ما يُشبه اللوحات، عندما قامت بمزج الفن التشكيلي والتراث النوبي، في تصاميم الأزياء التي نفذتها العام الماضي، بالتعاون مع الدكتور أشرف رضا، الأستاذ بكلية الفنون الجميلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات