«الزنبقة السوداء» عظمة الحب

تعد «الزنبقة السوداء» من الروايات الأخيرة للكاتب الفرنسي ألكسندر دوما، وهي كسائر أعماله، تتبع أسلوبه في نسج الأحداث التاريخية للقرنين 16 و17، في قصص مغامرات خيالية يغلب عليها الحس الرومانسي. ويُعرف عن الروائي دوما قدرته على الإثارة والتشويق، حيث إن أبطاله غالباً ما يقعون ضحايا ظلم كبير، في قصص يتخللها أحياناً الإفلات من الموت في اللحظة الأخيرة، والنهايات السعيدة.

في روايته «الزنبقة السوداء» والتي نشرت في ثلاثة مجلدات، عام 1850، يمكن لنا أن نتلمس عظمة الحب، وقدرته على صنع المعجزات، حيث نتابع فيها سيرة حياة الشاب البرجوازي الهولندي المسجون، عن طريق الخطأ، كورنيلوس فان بيرل، ورحلته الشجاعة لرؤية حلمه يتحقق في زراعة «الزنبقة السوداء».

وتستهل الرواية بحدث تاريخي هام وقع في هولندا عام 1672، عندما قامت جموع من الغوغاء، مؤيدة لوليم أوف اورنج، ملك إنجلترا لاحقاً، بقتل يوهان دي ويت، المستشار الأعظم في الدولة (ما يوازي رئيس وزراء)، وشقيقه كورنيلوس، بتهمة الخيانة العظمى، فيما كانا يحاولان التفاوض على اتفاقية سلام مع فرنسا.

ومن تلك الحادثة الدراماتيكية انطلق الروائي ليروي قصته عن هوس المجتمع الهولندي بزهرة «الخزامى» بعد 30 عاماً من انهيار سوقها عام 1637، صانعاً من زراعة «زنبقة سوداء» رمزاً للعدل والحب المتسامي.

في هذه الرواية، استطاع دوما نقل مشاعر الظلم، والتوغل فيها نحو كوامن الطبيعة البشرية، بهدف إظهار القدرة المدمرة للغيرة، واستطاع أن يجسد هواجس شخصياتها، بحركات دراماتيكية، على الرغم من أن هذه الشخصيات بدت غير مصقولة جيداً.

حيث يظهر بطل الرواية، كريم الخلق فيما البطلة حسناء طاهرة النفس، لنكتشف من خلال الرواية نفسها طبيعة الفترة الرومانسية التي سادت آنذاك في فرنسا، وشهدت انتشار هذا النوع الأدبي.

تجارب

قد يحتار القارئ لوهلة، في سبب اختيار الكاتب اللون الأسود لزنبقته، لولا معرفة أن والده كان خلاسياً من أم سوداء في هايتي وأب فرنسي ارستقراطي، وأنه عانى الأمرين من عنصرية المجتمع الفرنسي، على الرغم من ترقيته في جيش نابليون إلى رتبة جنرال خلال الحقبة الذهبية للثورة الفرنسية وشعاراتها في الأخوة والمساواة.

وسينقلب عليه الإمبراطور لاحقاً، ويتهمه بالتآمر مع الجمهوريين، فيودع السجن ويتوفى بعد فترة قصيرة من خروجه، عندما كان الكسندر دوما في الرابعة من عمره. ويقال: إن الروائي كان شديد التأثر بوالده، لذا دأب على ابتكار شخصيات في رواياته، ساعية إلى الانتقام من الإهانات ورد الاعتبار.

في رواية «الزنبقة السوداء»، يربط الروائي اغتيال الأخوين ويت، مع مصير الشاب كورنيلوس فان بيرل، الذي نشاهده منكباً على تجارب زراعة بصيلات «زنبقة سوداء»، حالماً بتحقيق الشهرة والشرف والحصول على جائزة بقيمة 100 ألف غيلدر، عرضتها «جمعية هارلم للبستنة»، مقابل زراعة زنبقات سوداء.

ويظهر بطل الرواية غير مبال بالسياسة، وغير مدرك أن أباه الروحي كورنيلوس دي ويت، وأخاه يوهان في ورطة مع مؤيدي وليم أوف أورانج، كما أنه غير واعٍ لمؤامرات جاره بوكستل الذي كان يراقب أدنى حركة في منزله لسرقة بصيلات الزنبقة السوداء من أجل الحصول على المكافأة.

بسبب وشاية جاره بوكستل، سيقع فان بيرل، الذي كان على وشك النجاح في زرع بصيلات الزنبقة السوداء، ضحية مؤامرة سياسية، ويتهم بالخيانة العظمى زوراً ويودع السجن لعلاقته بالأخوين ويت. وفي السجن سيغدو عزاؤه الوحيد ابنة مدير السجن روزا، حيث سيرسمان معاً خطة لزراعة بصيلات الزنبقة السوداء بالسر، وسيطلب منها فان بيرل الاعتناء بزنبقاته السوداء، إلى حد أنها تشعر بمنافسة معها على حبه.

«حافظي عليها يا روزا كما ترعى الأم ولدها، كما يتمسك الجريح بقطرة الدم المتبقية في عروقه.. زنبقتك هي ابنتي، إنها لا تغيب عن عيني لحظة.. حين أستيقظ إنها أول شيء أنظر إليه، وعندما أنام تكون آخر شيء أراه».

نفس ميلودرامي

وتنطلق الرواية بالقصة الرومانسية إلى خاتمة سعيدة، فرمز الزنبقة السوداء لا يمثل العدل والتسامح فحسب، وإنما أيضاً الحب المثالي المتسامي على الشكوك، ورغم المحاولات الكثيرة لتدميرها وسرقتها والدوس عليها، إلا أنها تأبى الاستسلام، وتزهر برغم جميع المعوقات، فينتصر الحب والشجاعة والإخلاص على الغيرة، ويتمكن كورنيلوس من زراعة الزنبقة السوداء والحصول على المكافأة والزواج من روزا.

القارئ للرواية، يشعر بطغيان النفس الميلودرامي فيها، فهي تزخر بالمبالغة في التعبير عن العواطف والانفعالات، فضلاً عن أن خاتمتها السعيدة تبدو أشبه بالحكايات الخرافية، ولكنها، برغم ذلك، نالت شهرة واسعة عندما نشرت عام 1850، وإن لم يكن بمقدار رواياته الأخرى، ذلك أن سيد التشويق أبقى لهيب الإثارة مشتعلاً، مصوراً أبطاله كأقوياء طيبي القلب.

ومحافظاً على روح الدعابة حتى لدى أكثر أبطال الرواية شروراً، فالكسندر دوما يكتب مصوراً هواجس بوكستل ومحاولاته التخريب على حديقة جاره فان بايرل، لدرجة يصف فيها أن شدة الغضب وصلت به إلى حد ربط هرتين وأسقطهما من فوق السور ليلاً، ما يؤدي بهما إلى تكسير الزهور، وأنه بات لا يستطيع العمل عند كل تقدم يحرزه كورنيلوس ومع كل فصيلة من الخزامى.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات