«دكتور زيفاغو».. تحفة أدبية شاغلها الحرية والجمال - البيان

«دكتور زيفاغو».. تحفة أدبية شاغلها الحرية والجمال

صورة

لطالما خطّ ستالين بجانب رائعة عملاق الأدب الروسي-«السوفييتي»، بوريس باسترناك «دكتور زيفاغو»، عبارة: «إياكم ولمس هذا الساكن طيّ السحب». ولطالما تحدث باسترناك عن جائزة نوبل للآداب التي منحته إياها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بهدف إحراج الاتحاد السوفييتي.

أما صاحب العلاقة، فأقرّ يوماً أن يوري زيفاغو، بطل الرواية الأعظم للقرن العشرين، لطالما حلم بتأليف «كتاب عن انطباعات الحياة يخفي بين سطوره، كما تخفي أصابع الديناميت، أبرز الأمور الصارخة التي خَبِرَها حتى الآن».

وأتت رواية «دكتور زيفاغو» مثقلةً بقنابل انفجرت بوجه باسترناك نفسه، تماماً كما كان يتوقع. كيف لا وباسترناك كان الكاتب الأول في العهد السوفييتي، الذي تجرأ على كشف الحقائق المستورة في التاريخ الروسي الحديث.

وقد عانى الروس من جيله، على امتداد 40 عاماً، من حربين عالميتين وثلاث ثورات وحرب أهلية وفترة مجاعة، إضافة إلى ويلات تطبيق العقيدة الجماعية، وحملات التطهير السياسي للإنتلجنسيا والجيش والنخبة السياسية السوفييتية.. وغير ذلك الكثير. حلّت الرواية في ظروف استثنائية، فالأديب الروسي المبرز، الذي التزم الصمت طوال سنوات الرعب «باسترناك»، ونجا لأسباب لا يفهمها كثيرون من حملات التطهير التي قضت على ألمع زملائه، أرسل مخطوطةً لناشر إيطالي شيوعي قرر بدوره طبعها بالرغم من الضغوطات القوية لرفاقه.

وعمدت القيادة الديكتاتورية السوفييتية في هذه الأثناء، إلى منع نشر رواية تعد بحق العمل الروسي الأكثر تميزاً في زمننا، بما تكتنفه من حوادث التاريخ وإعادة صياغة إيقاعات الوحشية والمقاومة التي تشكل مادة الرواية وجوهرها. تفتتح رواية «دكتور زيفاغو» أول فصولها على السنوات الأولى من القرن الماضي، وتمتد عبر أهوال الثلاثينيات وثوراتها والحرب الأهلية، وتنتهي بخاتمة تدور في منتصف الأربعينيات.

وتعمل الرواية على صعيد أكثر عمقاً من السياسة، وبقوة وصفاء من شأنهما القضاء على كل تشكيك بأن النزعة إلى الحرية تبقى عصيةً على التخريب. وينتصر باسترناك بهدوء وحزم لقدسية الحياة البشرية.

«الحياة»

اعتمد باسترناك في جذر اسم بطل روايته كلمة «زيف» التي تعني الحياة بالروسية، ومضى في خضّم فصول «دكتور زيفاغو» منتهجاً مقاربة مناوئة للإيديولوجية الماركسية، فطالعنا زيفاغو برفضه للنظريات المجردة للثورة الروسية، وشرح وجهة نظره الخاصة لحبيبته لارا قائلاً: «تندلع الثورة لاإرادياً وكأنها نفسٌ حُبس طويلاً. الكل يحيا ويولد من جديد وتعتمل في دواخله ثورات وتحولات. يمكنك القول إن الجميع يختبرون ثورتين، واحدة خاصة وشخصية.. والأخرى عامة».

ويتابع: «يتراءى لي أن الاشتراكية بحر ينبغي أن تصب فيه كل تلك الثورات الخاصة المنفصلة، إنه بحر الحياة والأصالة. بحر الحياة أقول، الحياة التي يمكن رؤيتها في اللوحات حياة تمسّها يد عبقري، وتغنيها بإبداع. لكن الناس قد قرروا اختبار تلك الحياة، ليس في الكتب، بل في أنفسهم، ليس نظرياً، بل على أرض الواقع العملي».

يتسم باسترناك بحساسية كبرى حيال أبطال روايته، وبتحرر عارم من أية نيةٍ لتغذية الآيديولوجيات، من دون أن يعرّض الرواية لأدنى مخاطر في الوقوع في مسار أوحد. وتتسم مشهدية محاولة زيفاغو بالتمعن بكارثة زمنه بكمٍّ من التشويق يفوق دوماً مادة التأمل نفسها. أما أفكاره، فليست أصليةً بالكامل ولا هي تتخطى النقاش، لكنها تكتسب على مسار تجاربه معها وكفاحه للإفصاح عنها قدراً بالغاً من الكرامة والعنفوان.

وتعكس آراء زيفاغو في العمل منحى توق باسترناك نفسه، والانحياز للحرية المكبوت طويلاً في نفسه، لكن الرواية تتضمن أيضاً ثقلاً مضاداً موازياً من الطرح الموضوعي، حيث برع باسترناك بالحدّ الأقصى، في جعلنا نتنبه إلى القوى التاريخية العظمى التي تزمجر في خلفيات حياة الشخصيات الأساسية للرواية.

إذ لم يسبق تصوير الثورة البولشفية من الجبهة الأمامية واقتصرت على الظهور كسلسلة أحداث، في سرد لا يتجاوز بعضه صفحة أو اثنتين على الأكثر، مع الحرص على أن لا يغيب حسّ الكارثة والانتفاضة الدائمة عن ذهن القارئ، وتصوير زيفاغو وهو يحاول إشعال موقد قديم خلال شتاء موسكو الجليدي على مقربة من بضع رجال يطلقون النار ويقتلون بعضهم في الشارع.

حقب وسيرة

تتحول الرواية مع وصول باسترناك إلى قصّ فصول حقبة الثورة، إلى نوع من السيرة الذاتية الروحانية التي تحافظ على ذخرٍ من المراجع الاجتماعية، رغم الارتكاز إلى سرد من الذاكرة حول صراع البقاء.

فأكثر ما يهم الآن هو قدر زيفاغو ذاته وعلاقاته بشخصيّتي الرواية الأخريين، لارا، حب حياته، وستريلنيكوف، الزعيم الحزبي الذي يلخّص كنه الإرادة الثورية الوحشية التي يفتقر إليها زيفاغو نفسه. وتصل «دكتور زيفاغو» إلى قمة الانسجام في مقطع لا يتعدى ربما العشرين صفحة، ويشكل مع ذلك بنظر البعض، أحد أعظم القطع النثرية على الإطلاق.

ويتحدث البطل مقنعاً حبيبته بالهروب. فيقول لها: «لمَ لا يا محبوبتي! إن كان الجنون كل ما تبقى لدينا، فلنجنّ. أيامنا معدودة بحق، دعينا نستفيد منها على الأقل بطريقتنا. دعينا نستغلها في توديع الحياة، سنقول وداعاً لكل ما يعز على قلبينا، لنظرتنا إلى الأمور، للحلم الذي وضعناه لطريقة حياتنا، ولكل ما أملاه علينا الضمير».

ويحلق النثر، منذ تلك اللحظة، إلى فضاءات ثقل المأساة، فيتخذ كل تفصيل لصيق بالحياة أمارات القدسية، ليشعر قارئ السطور بأنه شاهد على نهاية مريعة.

فما بدأ بلوحة ترسم ملامح روسيا-الاتحاد السوفييتي السابق، ينتهي بقصة عشق تروى ممهورة بقوة ونقاء أعظم الحكايات الروسية، ومصحوبةً حتى الصفحة الأخيرة، بنفحة التاريخ. وينغلق الغلاف على نهاية رواية تتحدث عن الحقيقة والشجاعة والجمال، عن عمل فني من طراز تحفة لا تبتغي كردّ أخير إلى ذاك الشعور العميق بالتبجيل.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات