«افتتاحية 1812» أجراس الحرب والسلام

صورة

اشتهر المؤلف الموسيقي الروسي بيتر إليتش تشايكوفسكي بسيمفونياته التي ملأت الآفاق شهرة، كـ«بحيرة البجع» و«كسارة البندق»، وغيرهما، ومن ضمن الأعمال الأوركسترالية العبقرية لتشايكوفسكي «افتتاحية 1812» الهادرة بموسيقاها التعبيرية الغنية، المخلدة لذكرى محاولة الغزو الفرنسي لروسيا وما نجم عن ذلك من انسحاب جيش نابليون، وتشتهر هذه الافتتاحية بسلسلة متتالية من إطلاقات المدافع، تتدرج مع النغم بشكل مثير وحماسي، بمثابة صلاة وأجراس للسلام تخلد مآثر الحرب وانتصار روسيا.

وكانت بداية هذا العمل الموسيقي الخالد في عام 1880، حين اقترح الموسيقي الروسي نيكولاي روبنشتاين على صديقه تشايكوفسكي تأليف عمل كبير، لاستخدامه في عدد من المناسبات الهامة، من ضمنها الانتهاء من بناء كاتدرائية ونصب تذكاري لإحياء ذكرى انتصار روسيا على الغزو الفرنسي، والذكرى الخامسة والعشرين لتتويج الإمبراطور ألكسندر الثاني ومعرض موسكو للفنون والصناعة عام 1882، ورفض تشايكوفسكي في البداية الفكرة كلياً حتى أنه كتب لراعيته المالية فون ميك «بالنسبة لي، ليس هناك ما هو أكثر مقتاً من الكتابة من أجل احتفال ما أو افتتاح معرض، لكن روحي ستظل معذبة لرفضي اقتراح أستاذي وصديقي روبينشتاين لذا سأضطر لكتابة العمل»، و بدأ تأليف العمل في أكتوير من نفس العام وأتمه خلال شهرين وأطلق عليه «افتتاحية 1812».

العرض الأول

وقد وضعت خطط كبيرة للأداء الأول للافتتاحية، حيث اتفق المؤلف مع منظمي الحفل أن يقدم العمل في الساحة الخارجية للكاتدرائية، وتشترك أجراس الكاتدرائية مع أجراس كنائس موسكو الأخرى في الأداء، لكن كل هذه الخطط تلاشت بسبب اغتيال الإمبراطور الكسندر الثاني في مارس 1881، وفي نهاية المطاف قدم العمل في عام 1882 خلال معرض موسكو للفنون والصناعة في خيمة ضخمة خارج الكاتدرائية «التي لم يكتمل بناؤها حتى عام 1883» بقيادة المايسترو ايبوليت التاني.

وقد كتب تشايكوفسكي قبل العرض الأول بأيام قليلة رسالة لراعيته المالية فون ميك: «تخيلي يا صديقتي العزيزة، ان الوحي كان لطيفاً معي في الآونة الأخيرة، فقد كتبت بسرعة نسبية افتتاحية كبيرة للأوركسترا السيمفونية في ذكرى حرب عام 1812 ستقدم في افتتاح معرض موسكو للفنون والصناعة، سوف تكون افتتاحية صاخبة الرنين ولكن دون شعور عالٍ بالدفء».

وخلافاً لتوقعات تشايكوفسكي حقق العمل نجاحاً كبيرأ فقد جذبت موسيقى الافتتاحية الجمهور والنقاد بشكل ملفت للنظر، مما حذا بتشايكوفسكي لوضع العمل في برامج جولته الموسيقية التي بدأها في موسكو ثم في العديد من مدن روسيا وأوروبا في عام 1887. وحتى يومنا هذا تقدم الافتتاحية بنجاح في جميع أنحاء العالم.

صلاة لسلام الأمة

مدونة تشايكوفسكي الموسيقية هذه كناية عن فكر إبداعي ذي نزعة علمية تاريخية تتجلى في قدرة المؤلف على استعادة التاريخ وفهمه فهماً عميقاً وترجمته الى نص لحني عبقري متماسك سهل الفهم من المستمع، وإذا قمنا بمقارنة بين ما كتب تاريخياً عن هذه الحرب وما قدمه تشايكوفسكي في هذا العمل الرائع نستطيع تحسس مصداقيته وشفافيته، فقد عبر ببراعة عن وقائع الحرب بتسلسلها المدون في كتب التاريخ وحولها بحيادية فنية عالية إلى أفكار لحنية معبرة عن تلك الأحداث التاريخية.

ويستهل تشايكوفسكي الافتتاحية بمقدمة بطيئة صارمة تعزفها آلات التشيلو والفيولا كجوقة غنائية تردد صلاة الشعب «احفظ يا رب شعبك» تتكاثف بعدها أصوات الوتريات كناية عن تضافر صلوات الشعب كله، لكن دخول آلة الاوبوا النفخية بلحن حزين يبعث على الكآبة ويعكس جواً من التوتر والقلق ينمو مع دخول آلات جديدة تصل إلى ذروة صوتية قوية تكرس حالة الارتباك والخوف أمام تقدم الجيوش الفرنسية الغازية نحو العاصمة الروسية، كما تعلو أصوات أبواق المعركة وضجيج طبولها والهتافات الحازمة التي تطلقها الوتريات لشحذ همة الجنود.

مع اقتراب القوات الفرنسية من المدينة أكثر فأكثر يبرز تشايكوفسكي لحن النشيد الوطني الفرنسي بشكل متصاعد، ومع استمرار الصراع بين الجيشين تميل الدفة إلى جانب الفرنسيين فيغلب رنين عنيف مشوه لنشيد الجيش الفرنسي الغازي «المارسيليز» على الأوركسترا كاملة.

فيدعو القيصر الروسى شعبه للدفاع عن بلادهم الى جانب جيش الوطن وبالفعل ينضم عدد كبير من الشعب الروسي الى صفوف الجيش، ويعبر تشايكوفسكي عن حساسية هذا الموقف بتدفق الآلات الوترية بالألحان الشعبية الروسية النبيلة على نحو متزايد، يسود جو عبقري داخل الأوركسترا، حيث تتداخل المواد اللحنية.

كما نسمع عشرات الانفجارات من خمسة مدافع استطاع تشايكوفسكي من خلالها خلق أجواء معركة بورودينو الحاسمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات