هنري روسو.. فنان فطري ألهم بيكاسو

صورة

(الفن الساذج) أو (الفن البسيط) تعبير يُستخدم للدلالة على ما يُنتجه أناس من رسوم ولوحات ومنحوتات وتصاميم معماريّة، وهم في الأصل لم يتلقوا تدريباً أو تعليماً أكاديمياً، بل هم أناس عاديون وهواة، يعملون في اختصاصات عديدة، كالطب والهندسة.. وفي تدبير شؤون المنزل والأسرة وبعض المهن والحرف الأخرى، ويُنتجون في الوقت نفسه أعمالاً فنيّة تتماهى فيها أطياف فنون فطريّة وغريزيّة وبدائيّة كثيرة.

وعلى هذا الأساس، يمكن أن يكون فن الريف هو الفن الساذج الأول الحقيقي، لا سيّما وأنه يعتمد على مخيلة مبتكرة لحرفيين مهرة، ولكن تطور المجتمعات بعد الثورة الصناعيّة..

والإنتاج بالجملة، تسببا في ذبول تلك المخيلة، وفي تحوّل الأشكال الفنيّة إلى أشكال متكلفة، لا حياة فيها. هذا الفن وثّق له كتاب «الفن البسيط» أو «فن الفطرة»: (Naive Art)، ومن أبرز ممثليه الفنان الفرنسي هنري روسو الذي تناول أعماله ومسيرته الفنيّة كتاب هام آخر، حمل عنوان (أدغال هنري روسو الرائعة)، من تأليف (ميشيل ماركل) والرسوم التوضيحيّة لـ(أماندا هال).

نقد وغرابة

هنري روسو (1844-1910) هو ابن سمكري، انتمى إلى الجيش كموسيقي بينما كان في سن الثامنة عشرة. وبعد تسريحه من الجيش، عمل لدى أحد المحامين، دخل بعدها في خدمة الجمارك، ثم عاد مرة أخرى إلى الجيش. تقاعد وهو في سن الأربعين ليتفرغ للرسم الذي كان يمارسه في أوقات الفراغ، في أثناء عمله في الجيش والجمارك.وتعلّم روسو الفن بنفسه.

وينتمي فنه البدائي البسيط والساذج، إلى مرحلة ما بعد الانطباعيّة. وتعرض فنه للانتقاد والسخرية من قبل الفنانين والنقاد، لكنه أصرّ على ممارسته له، حاقناً إياه بالخيال والغرابة، وبمسحة من الثقافة الشعبيّة الفرنسيّة، وفن روسو متفرد الخصائص والسمات، لا ينتمي إلا لنفسه.

ساذج ومؤثر

حصل روسو على إذن خاص لدخول متحف اللوفر بباريس، والقيام برسم أعمال كبار الفنانين، بعد أن يتأمل لوقت طويل ما يريد رسمه، وقد أعجب بالفنانين جيروم بوش وبوجيرو، وهذا ما يُفسر وجود كل هذا الفيض من الحلم والخيال في لوحاته، خاصةً لناحية مفردات الطبيعة الغريبة التي كان ينقلها من متحف النباتات، ثم يقوم بعجنها بتخيلاته الخصبة.

ويرميها فوق سطح لوحته التي اعتبرها البعض نوعاً من التمرين على توسيع الخيال، وقد شبهها بعضهم بالقصة أو الفيلم السينمائي، وكانت معظم لوحاته، ذات دلالة مباشرة، حرجة التكوين، ضعيفة رسم الأطراف، ومفرطة في استخدامها اللون الأسود الذي استبعده الانطباعيون من دائرة الألوان التي استخدموها في تنفيذ لوحاتهم.

عناد وإصرار

كان لروسو تأثير خاص في بيكاسو الذي تعرّف إليه من خلال لوحة وجهيّة لامرأة، حصل عليها من متجر درجة ثانية في باريس، حيث دفعه إعجابه بها للبحث عن صاحبها إلى أن التقاه، وقد اعتبر بيكاسو هذه اللوحة من أكثر الأعمال الفنيّة الفرنسيّة صدقاً.

أخذ بيكاسو عن روسو العناد والإصرار على التمايز، وعدم المبالاة بموقف الناس وسخريتهم من فنه، وكان شديد الإعجاب بموهبة روسو، ما دفعه لإقامة حفلة عشاء فاخرة على شرفه، في محترفه بحي الفنانين (مونمارتر) دعا إليها مجموعة كبيرة من الفنانين والكتاب والنقاد، عزف خلالها معزوفة على البيانو من تأليفه، وكان في مقدمة المعجبين بفنه: غونمان، ديغا، تولوز لوترك، بيسارو، سورا، والكاتب ألفريد غاري.

واثق من نفسه

لم تحقق لوحات روسو أي نوع من الدخل يسد جوعه، لكنه كان دائم الافتخار بأنه فنان، وكانت لديه ثقة كبيرة بنفسه وبفنه. تمتع روسو بخاصية الإدراك الدقيق لما يُحيط به من أشياء، لكنه أثناء الرسم كان يُعيد صياغة هذه الأشياء بطريقته الخاصة المتماهية بالحلم.

على هذا الأساس، يصعب إخضاع أعماله للقواعد والركائز والأسس التقليديّة المعتمدة في الفن، لأنه رسم الطبيعة والواقع بمنظور مختلف، ولعل هذا هو سر ذلك الجمركي الذي سحر فناني الحداثة، وحرّك ركود حركة الفن مطلع القرن العشرين.

حضور الطبيعة

جمع روسو في فنه بين عقلانيّة عصر النهضة، ونزعة ذاتيّة محضة، لها فرادتها ونكهتها الخاصة. أخذ معظم عناصر ومفردات لوحاته من الطبيعة، وبشيء من السذاجة، لكنه قدمها عبر صيغة لونيّة جديدة فيها الكثير من الإشراق والوضوح، وهي سمة نتاج غالبية الفنانين البدائيين، لكن روسو يختلف عنهم بأنه درس الطبيعة، وكان يمهد لأعماله بدراسات ورسوم عديدة.

ويؤكد على التفاصيل، وغالباً ما كان يقاوم سطوة المصادفة على نتاجه، والخضرة في لوحاته مشبعة بالنضارة، وهي الحاضر الأكبر في معظم نتاجاته.

أعماله

أنجز روسو العديد من الأعمال أبرزها: صورته الشخصيّة، الحرب، عربة بيير جونييه، الأدغال، بيير لوتيه، لاعبو كرة القدم، جزيرة سان لويس، العرس، منظر جسد، أبولونيير وملهمته، عاصفة مداريّة مع نمر، الحلم، أسد جائع يفتك بظبي، ليلة الكرنفال، ساحر الأفاعي، عربة.

تتوزع أعمال روسو على مختلف متاحف العالم منها: متحف اللوفر بباريس، ومتحف بوشكين في روسيا، ومتحف بال في سويسرا، ومتحف متروبوليتان في نيويورك، وغوغنهايم، وزيورخ.

12

صُنف روسو ضمن 12 فناناً فطرياً كان لهم تأثيرهم الكبير في الفن الحديث، خاصةً على السرياليّة التي اعتبر روسو من ملهميها الرئيسيين، وأحد أهم المؤثرين في فنانيها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات