ستانلي كوبريك.. مبدع سينما التفاصيل

صورة

لطالما ربط المخرج والمنتج السينمائي الأميركي ستانلي كوبريك (1928-1999)، في أفلامه بإحكام، بين التصوير المدهش، والاهتمام الشغوف بالتفاصيل الواقعيّة، واستخدام الموسيقى المثيرة للعواطف. وقد استوحى غالبية موضوعات أفلامه من الروايات والقصص القصيرة الموزعة على مضامين: حربيّة ورومانسيّة وكوميديّة سوداء ورعب وملاحم وخيال علمي وجريمة، ولأنه كان فيها جميعاً مبدعاً إلى حد الإدهاش، لُقّب (المخرج الأسطورة).

وعده البعض من أعظم صنّاع الأفلام في التاريخ، وبأنه عبقري سينمائي حاد التركيز، هادئ شديد العناية بالتفاصيل، عاش حالة وجوديّة اعتكافيّة، لا يحب السفر، وتستحوذ عليه المخاوف العصبيّة الرهابيّة. يحب العزلة والانطواء عن العالم مثل الممثلة غريتا غاربو.

بدأ حياته المهنيّة مصوّراً ضوئياً في مجلة «لووك»: (Look) في نيويورك، وانتقل بعدها إلى الإخراج والإنتاج السينمائي. وأمضى معظم مسيرته الفنيّة في بريطانيا، حيث أنتج خلال أكثر من خمسين عاماً، 13 فيلماً روائيّاً وثلاثة أفلام وثائقيّة.

كتاب جديد

صدر بالعربيّة، أخيراً، كتاب جديد بعنوان (ستانلي كوبريك/‏‏ سيرة حياته وأعماله)، يرصد حياة هذا المبدع، من تأليف فنسنت لوبرتو- أستاذ ومستشار الفرضيات في قسم السينما والفيديو والرسوم المتحركة في كلية الفنون البصريّة بنيويورك، ومن ترجمة علام خضر.

يقع الكتاب في 696 صفحة من الحجم المتوسط، موزعة على ستة أجزاء وتسعة عشر فصلاً. أما قصة تأليفه فيربطها مؤلفه، ببداية تعرفه إلى أفلام هذا المخرج العام 1964، حيث شاهد فيلمه (الدكتور سترينجلاف) أو (كيف تعلمت أن أكف عن القلق وأعشق القنبلة)، حيث اكتشف بعد مشاهدته له بأنه أمام فيلم يختلف كلياً عن كل الأفلام التي شاهدها في حياته.

وبعد مرور ست سنوات، أصبح لوبرتو طالباً يدرس السينما في كلية الفنون البصريّة بنيويورك، تسنى له خلالها مشاهدة فيلم (دروب المجد) الذي لم ينس البتة لقطات المتابعة التي ظهر فيها الممثل الأميركي كيرك دوغلاس بشخصية الكولونيل (داكس) وهو يقود جنوده المحتم عليهم الهلاك، في الخنادق. كما تتبع عمله المبكر (2001 أوديسا الفضاء) الذي دفعه بشكل مباشر إلى تأليف هذا الكتاب، لا سيّما بعد أن أدرك أن شخصيته ومفهومه للسينما قد تبدلا تبدلاً جذرياً.

وبعد أربع سنوات من البحث المكثف، والمقابلات التي أجراها مع كل معارف ستانلي كوبريك، ومن شارك في أعماله، وجد أن الغموض والأساطير المحيطة به، تخبو في مجرد إنسان حقيقي.

الكتاب موسوعي شامل، يحيط بالحياة الشخصيّة والفنيّة لكوبريك المهتم بالأمور التي تُثير اهتمامه فقط، والذي كان يشرب المعلومات كالإسفنجة، ويُمضي وقتاً طويلاً في إنجاز أفلامه. توقف الجزء الأول من الكتاب عند مرحلة كوبريك في مسقط رأسه برونكس، والثاني عند مرحلة نيويورك، والثالث عند مرحلة هوليوود، والرابع عند مرحلة إنجلترا، والخامس عند الانعزاليّة والعزلة والتنسك، والسادس والأخير عند اللانهاية.

19

وأفرد الكتاب فصله التاسع عشر للحديث عن أفلام كوبريك، وهي: يوم النزال، القديس الطائر، الملاحون، الخوف والرغبة، قبلة القاتل، القتل، دروب المجد، سبارتاكوس، لوليتا، أوديسا الفضاء، البرتقالة الآليّة، باري ليندون، البريق، طلقة بغلاف معدني.

وذلك في العام 1999، وبعد أربعة أيام من فحصه للنسخة النهائيّة لفيلمه الأخير (عينان مغلقتان باتساع): (Eye Wide Shut) من بطولة توم كروز ونيكول كديمان، وهو قصة عن الغيرة والهوس. ويذكر الكتاب أنه تُوفي كوبريك عن عمر ناهز السبعين عاماً، إثر أزمة قلبيّة أثناء نومه، وقد دُفن بجوار شجرته المفضلة في تشيلدو يكبوري مانور بهيرتفودشير في إنجلترا.

احتفاء وتقدير

تكريماً واحتفاءً بهذا المخرج الأسطورة، خصصت وتخصص مهرجانات متخصصة متنوعة، تظاهرات حول مسيرة هذا المبدع وأعماله. وفي الولايات المتحدة الأميركيّة، سيبدأ قبل نهاية العام الحالي، إخراج عملين سينمائيين هما (المنحدر) و(نابليون) حوله، كان قد كتبهما كوبريك ولم يمهله الموت لإخراجهما، كما صدر أخيراً عن دار نشر (بنكوان) كتاب جديد يتحدث عن مسيرته وأعماله.

رهباني جداً وقَلِق

يرى المبدع ساول بص، أن ستانلي كوبريك رهباني جداً، وبأنه يفكر بعمق، ويُعبّر عن نفسه بهدوء، ولا يرفع صوته أبداً، ويتمتع بالحصافة، ويتسم بالاستحواذ (بالمعنى الإيجابي للكلمة)، لأن الحصافة لا تُثمر الإبداع، لذلك ينبغي أن يكون هناك نوع من اللاعقلانيّة في أي عمل إبداعي جدي، وكوبريك من هذا النوع. وهو يدخل العمل (كما يقول والتر كاريتير) مستعداً، كما يفعل الملاكم عندما يخوض مباراة حاسمة، فهو يعلم بالضبط بماذا يقوم، وأين يتجه، وماذا يريد أن يُنجز.

3

نالت أفلام كوبريك العديد من الجوائز، منها ثلاث أوسكارات، وكان من المخرجين المفضلين لدى عدد من المخرجين السينمائيين العالميين، أمثال: فليني، كازان، بيرغمان، سيكا، وميلان ديفيد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات