سلفادور دالي نرجسية الإبداع وجنون اللوحة

صورة

سلفادور دالي، واحد من أشهر فناني القرن العشرين، بفنه وشكله وآرائه وتصرفاته. ولد في مدينة (فيغراس) بمقاطعة كاتالونيا الإسبانيّة عام 1904.. وتوفي فيها العام 1989. تميز بشاربيه وفنه السريالي القائم على ما دعاه (النقد المبني على الهلوسة) أو نظريّة (الباراتويا) النقديّة التي تسقط الوهم والخيال على الواقع والحوادث الخارجيّة.

كان دالي رجلاً نرجسياً مغروراً.. ونصبه الجنون ملكاً على عرشه. وفي ذلك سبب من الأسباب التي دعت الشاعر (أندريه بريتون)، زعيم السرياليّة والناطق باسمها وفيلسوفها إلى فصله عن السرياليّة، مؤكداً أن دالي باع روحه بالمال، وقد ابتكر بريتون من حروف اسم سلفادور دالي تحريفاً ساخراً، حتى إنه امتنع عن ذكر اسمه في محاضرة له.. مشيراً إلى خطايا دالي، الذي وصف نفسه قائلاً: أنا غريب الأطوار، وغير متجانس، كلاسيكي، كاثوليكي، رسولي، روماني- من أصدقاء رومانيا-، لأن هذا البلد (حسب رأيه) سيكون من أول البلدان التي ستعيد الملكيّة إلى أوروبا.

ودالي لم يحب سوى اثنين في حياته: ذاته وزوجته.. ولا يوجد في العالم أحد يستحق غضبه (بحسب رأيه).

طفولته

يشير كتاب (سلفادور دالي) الصادر ضمن موسوعة الفنون التشكيليّة (من إعداد ج. مُدبك وراتب أحمد قبيعة)، إلى أنه كان عبقرياً، متعدد المواهب، متحركاً ونشطاً، مثل بيكاسو وميرو.

أظهر مهارته الفكريّة عندما كان لا يزال صغير السن.

أطلق والده اسم (سلفادور) على ابنه الأول الذي توفي قبل ثلاث سنوات من ولادة سلفادور الثاني الذي وصف أخاه الأكبر قائلاً: كان الشبه بيني وبين شقيقي مثل نقطتي ماء.

كان وجهه ينضح بالنبوغ، وأظهر منذ صغره علامات العبقريّة المبكرة المنذرة بالسوء، ولكن نظرته كانت تشوبها لمسة من الكآبة العميقة التي يتميز بها كل من يتمتع بذكاء لا يمكن الانتصار عليه، أما أنا فكنت أقل ذكاءً منه، ولكني كنت أكسر كل ما يقع عليه نظري.

أصبحت منذ صغري النموذج الممتاز للولد المنحرف المتعدد الأشكال، المتأخر عقلياً، لأنني كنت أحتفظ في ذاكرتي بكل الذكريات المثيرة للجنة الطفوليّة التي نعمت بها، لذلك كنت أتمسك بقوة وأنانية مطلقة، بكل ما أريد أن أعمله، وبكل ما يجلب إلى قلبي المتعة.

وطبعاً، من هذه المتع، قذفه لنفسه من فوق السلالم، حيث كان يجد في إيذاء نفسه لذة لا تُوصف، لا سيّما أمام أقرانه في المدرسة، وكانت هذه اللذة تتضاعف وهو يرى وجوههم وقد اكتساها الخوف والقلق.

طموحات مبكرة

يقول دالي إنه عندما كان عمره ثلاث سنوات، أراد أن يصبح طاهياً، وعندما بلغ سن السادسة أراد أن يصبح نابليون بونابرت، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف طموحه عن الازدياد والنمو.

تدرب دالي لدى الرسام رامون بيتشو، ثم لدى أستاذ الرسم نونيز الذي اهتم به كثيراً، بعد أن أيقن أن مستقبلاً فنياً زاهراً ينتظره.

عكف دالي على دراسة اللوحات الشهيرة لاكتشاف مكامن الجاذبيّة فيها، وعلى قراءة المؤلفات الفلسفيّة لنيتشه وفولتار، ثم قرأ سبينوزا وديكارت الذي استند إلى أفكاره في رسم عدة لوحات رائعة، وشيئاً فشيئاً بدأت لوحاته تجلب اهتمام النقاد والهواة والفنانين.

بعدها التحق بأكاديميّة الفنون الجميلة في مدريد، غير أن الحماس الكبير الذي أظهره لدخوله إليها، سرعان ما تحوّل إلى خيبة أمل، لا سيّما بعد أن شعر بأنها لن تستطيع تعليمه شيئاً.

في هذا الوقت، اكتشف دالي العالم النفساني فرويد من خلال قراءة كتابه (تفسير الأحلام) فتأثر كثيراً به، وعمل على لقائه الذي تم في لندن بوساطة الأديب ستيفان زويغ.

ثم جاءت مجموعة من الفنانين والأدباء، أمثال: لويس بونيل وغارسيا لوركا وبدرو غارفياس وبوجينو ومونتير، لتشكّل نوعاً من المحركات المحفّزة لمجموعة صغيرة من الفنانين الأصوليين، من بينهم دالي الذي ما لبث أن احتل مركزاً مرموقاً بينهم.

وهكذا بدأ يرتاد المقاهي الفنيّة، ويشترك في النقاشات الفكريّة الحامية حول الفن والأدب والنساء، واستبدل ملابسه الغريبة بملابس ثمينة، وقمصان من حرير، ولوّن وجهه بالمساحيق، وصفف شعره وفق النمط السائد آنذاك.

دالي السريالي

درس دالي المستقبليّة الإيطاليّة. وفي العام 1924 بدأ يهتم بالمدرسة الميتافيزيقيّة ومبادئها التي وضعها كل من جيورجيو شيريكو وكارلو كارا. كانت نظرية شيريكو في الفن تشكّل خطوة إضافيّة لدالي كي يحقق استحواذه.

وفي عام 1929 رسم أول لوحة سريالية حقيقية. وفي العام 1927 زار دالي بيكاسو في مشغله بباريس قائلاً له: لقد جئت خصيصاً إلى باريس لمقابلتك، قبل أن أزور متحف اللوفر. وخلال زيارة قصيرة لبرشلونة زار بيكاسو معرضاً لدالي، وعندما عاد إلى باريس تحدث عن دالي بحماس إلى وكيل أعماله، ما دفع بهذا الوكيل للاتصال بدالي طالباً منه تزويده بصور ضوئيّة لأعماله، لكن دالي لم يرسلها له لأنه كان مقتنعاً بأنه لن يبيع أي لوحة له لارتباطه الوثيق ببيكاسو.

وصل دالي إلى باريس عام 1928 حيث استقبله صديقه الرسام الإسباني خوان ميرو، ثم تعرّف على تريستان تزارا الدادائي القديم، لكن رغم نشاطاته المحمومة لم يحقق النجاح الذي كان يسعى إليه، شعر بعدها بأن الجنون بات قريباً منه، ما دفعه للهرب من باريس والعودة إلى إسبانيا.

ذهب دالي بعيداً في ملاحقة إيحاءات عقله الباطن، ما دفع بالفنانين السورياليين لإدراك أهميته بالنسبة لحركتهم، حيث وجدوا أن تصويره للمواضيع اللامنطقيّة يتماشى تماماً مع المفاهيم السورياليّة التي لا ترى في كل أسلوب فني سوى وسيلة للوصول إلى مصالحة الإنسان مع الكون.

لقد شكلّت أصالة فن دالي وتفسيره الانتقادي والثوري لأعمال فنانين معروفين، وترجمته للهلوسات والأحلام إلى واقع ملموس، وانجذابه إلى كافة أشكال الاضطرابات العقليّة، مشاكل أساسيّة للسرياليّة. فقد دفعه مفهومه لأفكار فرويد إلى وضع نظرية (الأسلوب الهذياني) داعياً من خلالها إلى تبني شكل آخر لتفسير أعمال الفنانين.

«ذيل السنونو»

ولم يحاول دالي تفسير معاني لوحاته، مؤكداً أن عدم فهمه للوحاته لا يعني خلوها من المعاني. وقد عاش آخر سنوات حياته منعزلاً عن العالم في قصره في (بوبول). وفي مايو من العام 1983 رسم آخر لوحة له حملت عنوان (ذيل السنونو). وفي العام 1986 أصيب بحروق بالغة في جسمه إثر حريق شب في غرفة نومه، انتقل بعدها إلى بناية المتحف الذي يحمل اسمه في مسقط رأسه (فيغراس) ليعيش مريضاً في برج هذه البناية حتى وافته المنية عام 1989.

1939

زار دالي، في العام 1939، الولايات المتحدة الأميركية وأمضى سنوات الحرب العالميّة الثانيّة فيها، وهناك كانت صرعاته الإعلانيّة تحتل مركزاً مرموقاً في الصحافة مما جعل اسمه معروفاً لدى الملايين من الأميركيين.

1950

أبعدت جماعة السرياليين دالي من صفوفها وأطلقت عليه اسم (محب الدولارات). مع ذلك استمر في مهنته كفنان سريالي منحرف تماماً (كما يذكر في مذكراته) وانطلق يغزو السوق الدينيّة. وبدءاً من العام 1950 عمل على نشر صوفيته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات