الرحبانيون وفيروز..مسيرة فن وجمال

صورة

برغم المسيرة الحافلة بعطاءات جديدة ملوّنة وساحرة لقيثارة الجمال وسيدة الصباحات سفيرتنا إلى النجوم السيدة فيروز، لا تزال الكتب والدراسات والوثائق التي تؤرخ لهذه المسيرة قليلة مقارنةً بما قدمته (كماً ونوعاً) من أغانٍ و«اسكتشات» ومسرحيات وأفلام وحفلات، سواء مع الأخوين رحباني أو مع ابنها زياد الذي تابع مسيرة أبيه عاصي وعميه منصور وإلياس، لكن بنكهة جديدة ومتفردة.

ومن هذه الإضاءات القليلة والمهمة على المسيرة الرحبانية - الفيروزية، كتاب جان ألكسان «الرحبانيون وفيروز» الذي أهداه إلى روح عاصي الرحباني، عماد الأسرة الرحبانية: رجل الشعر، والموسيقى، والمسرح الشامل، ابن الضيعة اللبنانية الذي «دَوزن» المستمعون العرب أسماعهم على ألحانه.

مسيرة

تجاوز عمر المسيرة الفيروزية ستين عاماً، وهي مسيرة رائدة في تاريخ الفن العربي المعاصر، أفرزت أكثر من نحو ألف عمل فني، موزعاً على: الأغنية والقصيدة واللحن والمقطوعة و«الاسكتش»، والحوارية والموشح والمسرحية والتمثيلية الإذاعية والفيلم السينمائي والعرض التلفزيوني، وطبعاً ليس من بينها أي عمل واحد هابط، إذ تجاوز ما غنته فيروز 800 أغنية و23 «اسكتش» و3 أفلام و15 مسرحية غنائية (تضاف إليها طبعاً أغنيات الألبوم الجديد التي صدر الكتاب قبل الإعلان عنه). كما كرمتها دول عربية ودولية عديدة، وشهدت أكثر من 20 دولة حفلات لها، ما شكّل من ظاهرة فيروز والرحابنة معالم نهضة فنية كبيرة ومهمة، ليس على صعيد لبنان والعالم العربي فحسب، وإنما على مستوى العالم، بحيث يمكن القول إن الأغنية العربية كانت قبل الرحابنة وفيروز شيئاً، وصارت بعدهم شيئاً آخر.

هواء جديد

قدّم الرحابنة أغنية جديدة كسرت التطريبة التقليدية وصياغتها بمواصفات جديدة، من حيث المضمون والمادة الشعرية، ومن حيث المادة الموسيقية ومن حيث الأداء. وباعتبار أن فيروز العنصر الأساس في ظاهرة الرحابنة، أصبحت هي الأخرى «رحبانيّة»، وبالتالي أدخلت الأسلوبية الجديدة للأغنية الفيروزية - الرحبانية (بحسب بول شاؤول)، هواءً جديداً على الذائقة العربية، هواءً شاسعاً، لم تسلم رئة عربيّة واحدة من أنفاسه. لهذا، فإن الظاهرة الرحبانيّة التي عملت على تراثين وجذرين هما: التراث الفلكلوري والتراث العربي غير الفلكلوري «ولم تكن، على الرغم من تجذرها في الأرض اللبنانيّة، ظاهرة لبنانيّة فحسب، بل هي بفعل قوة اندفاعها باتت ظاهرة عربيّة»، تنافس - للمرة الأولى - الظاهرة الغنائيّة المصريّة. وفي هذا المجال، لا بد من القول إن عاصي الرحباني كان أكثر الفنانين العرب انفتاحاً على الغرب، وعلى القضايا والأقطار العربيّة. ففيروز غنّت من كلمات الرحبانيين وألحانهم، أجمل ما قيل في فلسطين، وغنت أجمل ما قيل في دمشق ومكة والإمارات وبغداد وعمّان.

مهمة صعبةأحس الجمهور العربي، للمرة الأولى، أنه إزاء نغم فريد وشفاف، منقشع مكثف، وإزاء أغنية جديدة تمثل ثورة في الرؤية الموسيقيّة، وفي النغم وفي الشعر وفي الأداء، فخلقت أغنية شعبيّة بامتياز، ولكنها في الوقت نفسه، تجاوزت مواصفات الأغنية الشعبيّة العربيّة التي كانت قائمة، كالطقاطيق.

ولم تكن مهمة الرحبانيين سهلة في اختراق مملكة العمالقة في تلك المرحلة التي ازدهرت فيها الأناشيد والقصائد الوطنيّة والأزجال القوميّة، لكنها خلال سنوات قليلة، كانت تثبّت دعائمها عبر إذاعة بيروت وإذاعة الشرق الأدنى وإذاعة دمشق. وعندما جاء النصف الثاني من عقد الخمسينيات من القرن الفائت، جاءت مرحلة التألق في مهرجانات بعلبك، ثم في معرض دمشق الدولي، ومن ثم الانطلاقة إلى الوطن العربي والعالم.

وعلى أيدي الرحبانيين، صار الفولكلور فولكلوراً آخر، إذ إنهم اخترقوا الفولكلور اللبناني والسوري، واجترحوا فولكلوراً متطوراً أكثر.. غسلوه (بحسب قول جان ألكسان في الكتاب المشار إليه) وطوّروه ونمّوه وقدموه رحبانياً خالصاً، أخذوا معطيات الفولكلور في مواده الأولى: نبراته، إيقاعاته..وبعثوه بعثاً جديداً، أو لنقل، إنهم أدركوا الضمير الفولكلوري العميق، فقبضوا على الضمير الشعبي الجماعي والتاريخي وأرسلوه في فضاء جديد، فضاء مفتوح على كل الاحتمالات الإبداعيّة، فالفولكلور لم يعد مع الرحابنة (ومع عاصي خاصة) مادة ببغائيّة جاهزة، بل صار كائناً حياً، يكبر ويتفرغ ويعلو، بحيث تجاوز بعض رقصات الدبكة وإيقاعات الميجانا والعتابا، بل تعداه (كما يُشير بول شاؤول) إلى تأسيس فولكلوريّة جديدة، أو ضمير جماعي جديد، غير ملتصق بالمادة الشعبيّة الموجودة، فولكلوريّة ذاتيّة عُممت لتصبح جزءاً حياً من الفولكلور المتوارث.. فالشعر الغنائي الرحباني الذي استمد مفرداته من البيئة المحليّة، تحوّل صياغة فولكلوريّة رحبانيّة، صياغة إبداعيّة فولكلوريّة، ومن هنا نفهم التأثير الذي تركه الشعر الرحباني في الأغنية الشعريّة الرحبانيّة، ونفهم خطورة مواجهة شعر الأغنية للمرة الأولى، للشعر الآخر، شعر القصائد الحديثة. فالرحبانيون كانوا يرافقون (وأحياناً يسبقون) القصيدة العربيّة الحديثة.

موشحات

قلب عاصي الرحباني التراث الفولكلوري المحلي من ناحية، وأبدع فولكلوريّة ذاتيّة (معممة) من ناحية أخرى.. فالموشحات الأندلسيّة التي كانت (ولا تزال في بعض الأقطار العربيّة) مقننة في إيقاعاتها الأولى، قاربها الرحبانيون مقاربة موسيقيّة جديدة، فحوّلوها موشحات رحبانيّة، تطرق الأذن العربيّة بحداثة مطهرة من التراكم ومن التطريب الخارجي، أبدعوا فيها تطريباً جديداً موجهاً إلى أذن جديدة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات