السريالية

عفوية الفكر وقوة الحلم بحثاً عن الحقيقة

صورة

أصبحت كلمة (سرياليّة) تشير إلى مرحلة تاريخيّة معينة، وهي تستعمل بصورة جامعة مانعة، لوصف تلك الحركة الفنيّة التي اتخذت من باريس مركزاً لها في فترة ما بين الحربين العالميتين (1919-1939). وكانت السرياليّة في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، حركة منظمة، ذات طبيعة ثوريّة، ترفض القيم والأعراف القديمة، ولها قادتها ومريدوها، وبياناتها ومنشوراتها، كما كان لها معارضها وتظاهراتها. في تلك السنوات صارت حركة عالميّة، حتى إن أربعة عشر بلداً اشتركت في معرضها الذي أقيم سنة 1938.

بهذه الرؤية، يطل والاس فاولي في كتابه (عصر السرياليّة) ترجمة خالدة سعيد، على أصول السرياليّة التي يتجاوز مضمونها جماعة أندريه بريتون التي خلفت الدادائيّة. أما موريس نادو في كتابه (تاريخ السرياليّة) ترجمة نتيجة الحلاق ومراجعة عيسى عصفور، فيطل على هذه الحركة (التي طاولت مختلف أجناس الإبداع الإنساني) من خلال عبارة للشاعر الفرنسي أراغون تقول: لا يمكن لأحد أن يدرس السرياليّة دون أن يضعها في إطار عصرها، مؤكداً أن دراسة حركة فكريّة بتجاهل ما سبقها أو لحقها وغض النظر عن الحالة الاجتماعيّة والسياسيّة التي تفاعلت معها وغذتها.. وتأثرت بها، عمل لا جدوى منه.

الأصول

المتابع للحراك الذي قاد إلى ولادة السرياليّة، يجد أنها قامت على يد مجموعة من المؤسسين، أمثال: بريتون وإليوار، وتلقت دعماً من مقربين منها (دون أن يشاركوا فيها عملياً) أمثال: أبولينير وكوكتو. وهناك من كان قريباً منها لكنه تجاوزها كبيكاسو.

كان من همّ السرياليين أن يكتشفوا في الماضي القريب والبعيد على حد السواء، ما يدعم أفكارهم وأعمالهم، وراحوا يهمشون كل من يتعارض معهم، بالعنف نفسه الذي يمجدون به الأفكار القريبة إليهم. لهذا يدّعي بريتون أن هيراقليطس سريالي ديالكتيكي، وبودلير سريالي أخلاقي. أسماء

كان السرياليّون ضد كل شيء، لا سيّما الأدب والشعر. كانوا لا يرضون بأقل من تغيير الحياة تغييراً تاماً، مع أنهم لم يكونوا سياسيين، أو علماء أو فلاسفة، وإنما شعراء ومختصون باللغة.

واجتازت السرياليّة، كمصطلح، المرحلة التي كانت الحلقات الأكاديميّة والنقاد الجادون، يعتبرونها فيها فكاهة، ويرفضون أن يعيروها أي اهتمام. صحيح أنها ما تزال تُقابل ببعض السخرية، لكن هذه السخرية لا تصدر إلا عن أشخاص غرباء عن الفن. وبلغت السرياليّة في أهميتها وجديتها، مبلغ ما حظيت به الشيوعيّة والتومائيّة الجديدة المعاصرتان لها، من أهمية وجديّة. فهذه الثورات الثلاث، تبدو الأكثر أهمية لفهم عالمنا الحديث، ومع أن هذه الثورات الثلاث تبدو متساوية في أهميتها، إلا أن السرياليّة تتبوأ مكانتها باعتبارها أشد حركات الفكر والفن الحديثين ضرورة وتجديداً.

كان السرياليون الأُوائل هم الدادائيون الأوائل أيضاً، ومنهم: بريتون، إليوار، أراغون، بيريه. وولدت السرياليّة بشكل كامل ما بين عامي 1916و1922 وتطوّرت تحت تأثير الحرب، وقد أطلق عليها اسمها غيوم أبولينير. منصات ومبادئ

(السرياليّة) اسم مذكر بالفرنسيّة، وهي آلية نفسيّة مجردة يُقصد التعبير بوساطتها نطقاً أو كتابة أو بأي طريقة أخرى، عن عمل الفكر الحقيقي. فالسرياليّة هي ما يمليه الفكر، بعيداً عن كل مراقبة يمارسها العقل، وخارجاً عن كل اهتمام جمالي أو أخلاقي.

من جانب آخر، ترتكز السرياليّة على الاعتقاد بالواقع المتفوق لبعض أشكال الأفكار المتداعية المهملة حتى الآن، وعلى القدرة الخارقة للحلم، وعلى عمل الفكر العفوي، وترمي إلى تحطيم تام لجميع المحركات النفسانيّة، لتحل مكانها في إيجاد حل للمشاكل الرئيسيّة في الحياة.

السلوك السريالي

إن لكلمة الحرية دوياً عجيباً في كثير من آثار السرياليين المهمة، حتى لنستشعر ميلاً إلى منحها المكانة الأولى في العالم الجديد الذي أملت الحركة تبنيه. إذ إن تحرير الإنسان من جميع أنواع الضوابط التي يفرضها عالم منفعي، يتصدر جميع المناهج ذات المقاصد السرياليّة.

كان الأمل أن يضطرب الإنسان ويجد قوى حياته الأساسيّة في مجال آخر غير العقل. وحيثما نجد في تاريخ الإنسان شخصاً فذاً حاول أن يتحرر من الحدود والقيود، يمكن أن نسمي بادرته فعلاً سريالياً. فالسلوك السريالي أبدي.

ورفضت السرياليّة الانصياع إلى الذائقة العامة الوليدة بعد الحرب، المتمثلة بهيمنة الوجوديّة المقنعة فنياً ببؤسيّة مثيرة للشفقة، وإلى محاولاتها مزج موضوعات مصطنعة لا تتلاءم مع نفسيّة شعوب خارجة من الحرب، وكان هذا الموقف فاتحة لتفتت الحركة السرياليّة الفنيّة وتشظيها في اتجاهات ومسارات ومدارس متناقضة تماماً.


طباعة Email
تعليقات

تعليقات