العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    «عمارة يعقوبيان» فاعلية الزمان في المكان

    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    قلّما نعثر على رواية سمّيت باسم بناية أو عمارة، لكنّ علاء الأسواني شاء أن يتّخذ من «عمارة يعقوبيان» في وسط القاهرة اسماً لروايته الأولى التي أصابها حظّ من الشهرة والانتشار، ولا سيّما مع النجاح الكبير للفيلم السينمائي بالاسم نفسه، فصعد بها جماهيرياً.

    التحوّلات

    في هذه الرواية، عاين الأسواني التحوّلات الخطيرة التي ألمّت بالمجتمع المصري ما بين زمان الملكية وزمان الثورة اللاحق وفي مرحلة الانفتاح تحديداً.

    وذلك من خلال رصده للتغيرات التي طالت العمارة وسكانها، بعدما غادرها الأرستقراطيون إلى وجهات شتّى، ليحتل شققهم الضباط المتنفذون حتى السبعينيات من القرن الماضي وبداية مرحلة الانفتاح ليغادروها بدورهم إلى أحياء أرقى، بينما سيشغل سطحها كثير من فقراء الأرياف الذين قدموا إلى المدينة بحثاً عن فرص للعمل أو التوظيف، فغدا مجتمع العمارة خليطاً ما بين الطبقة الوسطى والرثة.

    الشخصيات

    عمد المؤلّف في انتقاء شخصياته الأساسية وموضعتها كرموز لهذه الفئات، ومن بينهم زكي الدسوقي (عادل إمام) ابن الباشوات يقابله تماماً طه الشاذلي (محمد إمام) ابن بواب العمارة.

    وما بينهما تقف الشابة بثينة السيد (هند صبري) التي ترقى لتكون رمزاً لجيلها ويحتمل أن يكون للقاهرة في واقعها القاسي وغموض مستقبلها، فضلاً عن أن العمارة ذاتها تحتمل أن تكون رمزاً لمصر المنهكة والمتعبة نتيجة لتغيّر الأنظمة وتحكّم القيادات الجديدة في مصيرها.

    وتحضر شخصيات عديدة ومن شرائح مختلفة تتسابق للصعود إلى أعلى السلم بطموح غريب وإصرار كبير، ولا سيّما أن الزمان الجديد اتّسم بفساد عام شاب السلوك والأخلاق.

    أحلام منكسرة

    طه الشاذلي شخصية مكافحة عمل ودرس بانتظام حتّى تمكّن من الحصول على الثانوية العامة، وكانت جلّ أمنياته الحصول على قبول في كلية الشرطة، والتخرّج منها برتبة ضابط، ثمّ الاقتران بـ«بثينة السيد» حبيبته، فضلاً عن السكن في حي راق، ولكنه يواجه عقبات جمّة، وأولاها السخرية منه ومن أحلامه باعتباره (ابن البواب).

    كما يواجه طه عقبة البيروقراطية المصرية المتمثّلة في ما يسميه «كشف الهيئة» أي اللجنة الفاحصة لقبول الطلاب في كلية الشرطة.

    والتي سترفض قبوله لأنه ينتمي طبقياً إلى الفقراء..فتكسّرت أحلامه، وبعد تفكير طال قرر الكتابة إلى رئيس الجمهورية، والنتيجة أن مكتب الرئاسة خيّب ظنّه، برسالة جوابية تؤكّد عدم صحّة موضوع الشكوى، ما أجبر طه على الانتساب لكلية الاقتصاد، وهناك سيلحظ الانقسام الصارخ بين أبناء الفقراء وأبناء الأغنياء.

    الإرهاب

    «في أقل من شهر كان طه قد صاحب مجموعة المسجد كلّها...». ومن صحبة المسجد بدأ وعيه الجديد بالتنامي من خلال الخطاب السياسي للجماعة، وملخصه أن المجتمع في مصر مجتمع جاهلية لا مجتمع إسلام، لأن القائم على أمور الناس يعطّل الشرع، ويرتكب الجرائم بحقّ المسلمين..

    ولينتهي به الأمر إلى التعرّف بالشيخ شاكر وجماهيره من الطلبة الإسلاميين الغاضبين والناقمين، ومنذ هذه اللحظة، يتغيّر طه تماماً. بات طه إنساناً جديداً بعدما وجد من يهتم به ويوجهه ويرعاه ويعتبره كائناً اجتماعياً، له حقوق وعليه واجبات..

    ولكنه إلى ذلك لم يستطع أن يقنع بثينة حبيبته الوحيدة بضرورة ترك عملها في معرض الثياب أو لدى «زكي الدسوقي» صاحب السمعة السيئة، لانتفاء البديل الذي يقدّم لها راتباً يجعلها تعيش وأسرتها بكرامة.

    ومن جهة أخرى يتمكّن الشيخ شاكر من إقناعه بضرورة الظفر «بذات الدين»، ثم يأتي اشتراكه في المظاهرات الاحتجاجية مع طلاب الجامعة ضد الحرب على العراق التي شاركت فيها مصر وبعض الدول العربية ضمن قوات التحالف، لتبدأ مرحلة جديدة من حياة طه، حيث يزجّ به في المعتقل وهناك تمارس عليه أصناف العنف المعروفة لاستخلاص المعلومات منه.

    الفساد

    كلّ هذا العنف الممارس على براءة الفقراء وعفافهم يعكس بنظر الروائي فشل الأنظمة المتعاقبة بمصر في خططها التنموية اقتصادياً وثقافياً، ولا سيما أنها فتحت هامشاً واسعاً لصعود فئات فاسدة ومرتشية، وسيكون نموذجها: ياسر الفولي (خالد صالح) الوزير الفاسد، الحاج محمد عزّام (نور الشريف) تاجر المخدرات.

    خلال بضعة شهور من عملها، أدركت بثينة السيّد أن الحياة قاسية في مثل هذا المجتمع الذي تلاشت القيم فيه، فقد تحرّش بها كلّ من طرقت بابه للعمل حتّى استقرت أخيراً لدى بائع الثياب مستسلمة لنزواته لكي تحافظ على عملها وتنقذ عائلتها بعد موت عائلها، وهكذا إلى أن تقع بين يدي الأرستقراطي السابق زكي الدسوقي الذي تجاوز ال65، وما زال يلاحق النساء..

    ويتمكّن أخيراً من الزواج منها، بينما يقتل طه الشاذلي على يد الأمن.

    يمكننا القول أخيراً، إن الفيلم السينمائي عن العمل، كان قد أنتج عام (2006) وكان ناجحاً، ولا سيّما أن كاتب السيناريو الخبير وحيد حامد، تصدى لهذه المهمّة الكبيرة. فقصقص الزوائد وركز على الحبكة الأساسية، فضلاً عن حساسية المخرج مروان حامد، من الحضور الكبير للممثّلين كافة الذين أدوا أدواراً بارعة صعدت بالفيلم نحو الشهرة.

    طباعة Email