امتازت أعمال حنا مينة الروائية بفرادتها الأسلوبية المعتمدة على الشاعرية والإثارة والتشويق، فضلاً عن تعزيز فكرة البطولة النموذجية التي يراها حنا مينة في أبطال رواياته كأبطال إيجابيين ينتمون إلى الشعب وقضايا التحرر والتقدّم.
وبالتالي فإن أبطاله محبوبون دائماً حتّى لو كانوا بسطاء من عامة الشعب: زكريا المرسنلي في «الياطر» والخياط معلّم الرقص والموسيقى في«الشمس في يوم غائم» أو مثقف مطارد كما في الثلج يأتي من النافذة أو بحاراً شهماً كما الطروسي وصالح حزّوم.. وغيرهم.
«الشمس في يوم غائم» من أجمل أعماله الروائية التي تناولت الوضع السوري أيام الانتداب الفرنسي وبداية تشكّل خلايا المقاومة في الساحل السوريّ، فضلاً عن رصد الأوضاع الاجتماعية والفرز الطبقي الحاد ما بين عالمي الفقر ممثلاً بالأحياء الشعبية، والغنى ضمن التركيبة الاجتماعية للمدينة السورية الخاضعة للاستعمار:
فثمة هنا العالم الأرستقراطيّ بتقاليده الضاغطة ممثّلاً بالأب حاكم السرايا وحفيد القنصل، واحتقاره للفئات المهمّشة الشعبية منها والمثقفة ما لم تكن من طبقة النبالة وعلاقاتها المرفوضة من قبل الابن (عادل) الشخصية الروائية المتمرّدة التي سئمت هذه التقاليد الزائفة بما في ذلك دروس التانغو التي يتلقّاها في المعهد مع ابنة عمّه التي من المفترض أن تكون خطيبته.
الفيلم
أنتجت المؤسسة العامة للسينما فيلم «الشمس في يوم غائم» عام 1985 بإخراج محمد شاهين وتمثيل رفيق سبيعي بدور الخياط، وجهاد سعد بدور الشاب عادل، وعدنان بركات بدور الأب، ومنى واصف وأيمن زيدان وغيرهم.
رقصة الخنجر
وأدّى الممثلون جميعاً أدوارهم بتألّق وتمكنوا من تجسيد فكرة حنا مينة حول تصاعد وتيرة الصراع بين الشعب وسلطة الاحتلال وأعوانها، وبين أبناء الشعب وفئاته المختلفة وتماسكهم لمجابهة العدو من جهة وحول فاعلية الأسطورة في حياة (عادل) الشاب الشاعري الحالم بامرأة تخرج له نابضة بالحياة من التمثال الموجود في معبد أو متحف، وهذا الخروج لا يتمّ إلاّ من خلال الرقص، فيذهب الشاب باحثاً عن نموذجه المبتغى، والذي سيأخذ بعداً رمزياً يشير إلى ممارسة الفعل الثوري للحصول على الحرية.
يقول معلّم الرقص:«هذا هو الرقص الحقيقيّ، تعلَّمتُه في بلادٍ بعيدةٍ، سعيدةٍ، ونذرتُ نفسي لتعليمه للآخرين. أحياناً أنجحُ وأحياناً أفشلُ، والاستمرار في النهايةِ يُقرّرُ كلَّ شيء. أنا مستمرّ، سأُعلِّم الرقص ما دمتُ حيّاً، وسيتعلّمه كثيرون، سيدقّون بأرجلهم، أرضنا النائمة، ليوقظوها».
والرقصة إلى ذلك، تتكاثف فيها الفاعليات الرمزية التي تبدأ من «دقّ الأرض النائمة بأقدام الراقص كي تستيقظ وتتبصّر ما جرى في الوطن المستعمَر»، في «اجتماع الشمل للمقاومة المنظّمة على يد أبناء الشعب وليس عملاء المستعمِر المتمثلة بعائلة الشاب (عادل)».. وأخيراً في إمكانية تحقق الحلم بخروج الفتاة من الإطار في لحظة التجلّي القصوى للراقص.
غير أن تحقق عملية الاستيقاظ هذه تتطلّب مجابهة قوية ما بين الشاب وأسرته، ما بين معلّم الرقصة وفريقه المقاوم والاستعمار ممثلاً بالمستشار الذي لم يتمكنوا من اغتياله ذات ليلة، وإنما أصيب أحد مرافقيه، لتحتدم الأحداث على المستويين الذاتي للشخصية (عادل) والعام على المستوى الشعبي.
العنف والحقد
هذان العالمان رصدهما الروائيّ كاشفاً عن السلوكات المنافقة الزائفة التي تدّعي اللياقة والتحضّر تنطوي على عنف كبير سيمارس على أبناء الشعب الثائر بزجّهم في المعتقلات واغتيال الخياط معلّم الرقص والموسيقى والسعي لإجهاض الثورة بما أمكن.
فكيف لعادل الشاب الحسّاس والحالم أن يقتنع بهذا النمط من السلوك غير السوي؟ وأين مكمن الحقيقة؟ أهي في هذا العالم الزائف أم هناك حيث الصدق في الحبّ وفي الكره، في إمكانية التغيير إن أمكن.. بعد أداء الواجب تجاه الوطن، ونموذجهم معلم الموسيقى الذي علّم (عادل) الرقص وهو يعلم ما سيترتب على ذلك من نتائج، لكنها رسالته وعليه أن يتحمّل مهما كانت المشكلات:
«الخياط وحده فهم مشكلتي، هو الذي اكتشف نفوري من الرتابة، وحاجتي إلى الحركة.. وأحببتُ الخياط ووثقتُ به». وهذه الثقة المتبادلة ستدفع بـ «عادل» للخروج في المظاهرات ضدّ الانتداب، الأمر الذي يغضب والده أشدّ الغضب، فيعمل على الانتقام من الخياط وجماعته بزجّهم في السجن، ومن ثمّ اغتيالهم.
الرومانتيكية
قبل الولوج في تفاصيل المواقف الرومانتيكية في الرواية، لا بدّ من الإشارة إلى أن حنّا مينة الذي اعتاد نقّاده ودارسوه بوصفه كاتباً واقعياً مؤدلجاً، لا نراه في هذه الرواية أو ربّما غيرها من الروايات التي اطّلعنا عليها يلتزم المنهج الواقعي..
والرواية إلى ذلك تنهض من حيث الأساس على بنية أسطورية رمزية قادمة من الحلم ومن لحظة رومانتيكية تجسّدت في الخياط معلّم الموسيقى الحالم باستيقاظ الأرض، وبالشاب عادل الحالم بخروج المرأة الحلم من التمثال، ومن هنا تأتي أهمية تعليم وتعلّم الرقص لكليهما، فالرقص وبخاصة رقصة الخنجر، له غاية وهدف وليس للتسلية والمرح.
ولذلك، وبعد صراع داخلي عبّرت عنه جملة من المونولوجات، يقرر الشاب الوقوف في صفّ الحلم، أي مع الخياط وجماعته، مع زملائه في المدرسة الذين يتظاهرون، مع امرأة القبو الصادقة في عواطفها، مع جموع أبناء الشعب وهم يستعدّون لدقّ الأرض النائمة، يعبر عن ذلك قول الخياط: يا بُني، تعلّم أن تعزف للناس.
حدّثهم وسيصغون إليك، إنّهم كرماء، ولكنّهم لا يعرفون لمن يعطون وكيف. قل لهم إذن، أنتم أسياد هذا الكون، منكم كلّ ما فيه ولكم كلّ ما فيه وقدهم، بعد ذلك، لتحقيق ما قلت، وكن أنت في المقدّمة.
قارعو الطبول يكونون دائماً في المقدّمة، حاملو الأعلام يسيرون دائماً في المقدّمة، والقادة الفرسان أيضاً. إذا تراجع القائدُ توقّف الطبلُ وتنكّس العلمُ وارتدّ الصفّ وتفرّق الناسُ. احفظ هذا، كن قائداً في الرقص والعزف والقتال، ولكن كن مستعدّاً لدفع ثمن القيادة.
العنوان
الشمس كمعطى رمزي.. لن تستطيع الغيوم مهما تكاثفت حجبها سواء أكان ذلك ليوم واحد ولفصل كامل، فالأمل ببزوغ الشمس دائماً حاضر في البال، وإلاّ لما سعى الناس وناضلوا لأجل الحرية والكرامة.. وبهذا يمكننا القول في الختام: لا بدّ من استعادة حنّا مينة من جملة التصنيفات المدرسية وإعادة موضعته المكانة التي يستحقّها إلى جانب محفوظ وكبار كتّاب الرواية العربية.
1985
فيلم «الشمس في يوم غائم» من إنتاج المؤسسة العامة للسينما عام 1985. إخراج محمد شاهين، وتمثيل: رفيق سبيعي، جهاد سعد، عدنان بركات،
منى واصف، أيمن زيدان..وغيرهم.


