تعتبر رواية «بداية ونهاية» لنجيب محفوظ، من أهم الروايات الاجتماعية التي عالجت قضايا وتشظيات الطبقة الوسطى بدرامية عالية، نبّهت المخرج صلاح أبو سيف إلى إخراجها سينمائياً، فكانت الرواية الأولى التي ستُمثّل لمحفوظ سينمائياً، وبعدها سيتهافت المخرجون لتناول أعماله الروائية كافة.

اختار صلاح أبو سيف مجموعة كبيرة من الممثلين النجوم: فريد شوقي، عمر الشريف، أمينة رزق، سناء جميل وغيرهم. واشتهر الفيلم حينها، شهرة كبيرة، ورشّح عام 1961 لجائزة مهرجان موسكو السينمائي الدّولي، بينما فازت سناء جميل بالمركز الثالث لجائزة أفضل ممثلة، وبحسب موسوعة «الويكيبيديا» فقد صنف الفيلم في المركز السابع ضمن أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.

حبكة

تعالج الرواية/‏ الفيلم حياة أسرة تعيش أيامها براتب معيلها الموظّف الحكومي، وهي مؤلّفة من الأمّ: (أمينة رزق)، حسن (فريد شوقي)، حسنين (عمر الشريف)، (حسين) كمال حسين، (نفيسة) سناء جميل. فضلاً عن عدد كبير من الممثلين والممثلات.

تبدأ أحداث الفيلم بعد موت الأب، معيل الأسرة، وأبناؤه ما زالوا طلاّباً في المدرسة، وتتأخر الحكومة بصرف راتبه التقاعدي، ما ينعكس على حياة الأسرة فتبدو للمشاهد مشتتة ومبلبلة بسبب الحاجة الماسة للمال والاستقرار النفسي، ما انعكس أيضاً على سلوكها، فالأمّ التي تخطط لسياسة تقشفية تقي أبناءها ذلّ العوز والسؤال.

لا تُرضي سياستها الأبناء الذين اعتادوا رخاءً نسبياً مكّنهم من السكن في حي للطبقة الوسطى والتعليم في المدارس، ومن هذه اللحظة تبدأ الأحداث بالكشف عن مآلات الأسرة المفجوعة:

يتّجه حسن، الابن الأكبر الفاشل في الدراسة، نحو العالم السفلي حيث البلطجة والدعارة والمخدرات بإرادته.

تطورات

يسلّم حسين بأمر الله وقدره فيترك المدرسة ويلتحق بوظيفة كي يساعد الأسرة. الشخصية الإشكالية حسنين سيبدو على الدوام كشخصية متطّلعة للخلاص من الفقر والصعود إلى مرتبة أعلى، فعمل على أن يكون ضابطاً في الجيش بانتسابه إلى الكلّية الحربية، وبذلك فإن متطلّباته وضغوطه المعنوية على أخوته ستتزايد باستمرار.

المبدع صلاح أبو سيف يلتقط هذه اللحظة، فيتابع شخصياته من زاوية رؤيته التي تتّفق ورؤية نجيب محفوظ إلى مصر الثلاثينيات من القرن الـ20.. والانقسام الاجتماعي الحاد ومتاهة أبناء الطبقة الوسطى في بحثهم عن دور في مصر المستقبل، فنتابع من خلال كاميرته شخصيات الفيلم دافعاً بهم نحو بؤر الصراع مع هذه الحياة التي لا ترحم.

يحتمل أن فكرة الرواية أو الفيلم الأساسية، تشير إلى الرغبات الجامحة للشاب حسنين، في الانتقال من طبقته الاجتماعية المتوسطة والقريبة إلى الفقر إلى حياة الطبقة الأرستقراطية، وستتجلّى هذه الرغبات سلوكاً منذ أن يتخرّج من الكلّية، فهو لن يلتفت مجرّد التفاتة إلى ماضيه وواقع أسرته المفكك..

وأوّل سلوك من هذا القبيل أنه يتخلّص من خطيبته وابنة الجيران «بهية» ويسعى للزواج من فتاة أرستقراطية راقية المستوى وتعيش في قصر كبير.

وهذا الجانب في شخصية حسنين، ناقشه عدد من النقّاد نذكر منهم: رجاء النقّاش الذي عزا سلوك الضابط حسنين إلى «محاولته الارتفاع عن مستواه الاجتماعي».غير أنّ د. عبد المحسن طه بدر يحمّل نجيب محفوظ سلوك شخصياته بسبب نظرة التشاؤم والسوداوية.الواقعية النقدية

بطبيعة الحال، لن نختلف مع الرأيين السابقين في تحليل الرواية والذهاب بها مذهباً نفسياً أو اجتماعياً، ولكن ما ينبغي الإشارة إليه، أن هذه الرواية تصنّف ضمن منهج الواقعية النقدية بخصوصيتها المحفوظية، فبالرغم من أنه لم يكن سياسياً إلاّ أنه رجل فكر متنوّر وله آراؤه الناقدة التي يمكن للباحث اكتشافها بسهولة، فضلاً عن الدلالات الكامنة في عالمه المتخيّل والموازي للواقع..

وكثافة التركيز نحو جوانب بعينها، من دون أن يقحم رأيه أو يميل لأيديولوجيا معينة، ويكفيه في مثل هذه الحال توجيه الأنظار نحو مقاصده، كما فعل في مشهد نفيسة وحسنين اللذين باتا بمثابة الشاهد والضحية..

فالنظام الحكومي البيروقراطي لا يكترث بالمجتمع، والنظام الاجتماعي ظالم تحكمه مجموعة من القيم التي عفا عليها الزمن، وبالتالي فإن كلا النظامين سيمارسان عنفهما على أولئك (الغلابة) غير القادرين على المواجهة لافتقارهم المال والجاه، مما يستلزم الاستسلام والرضوخ لهذه المشيئات الكبرى، فتذهب الأحداث عفوياً نحو النهاية المأساوية..

حيث يجبر الضابط حسنين أخته نفيسة بخَيار الموت قتلاً أو انتحاراً، ولكن قبل هذا الإلزام يرصد لنا نجيب محفوظ بذكاء امتثال هذا الضابط الصغير لقيم المجتمع، إذ تتحوّل نفيسة خلال لحظات، من ملاك إلى شيطان، أو من الطهر إلى الدنس.

قمة التراجيديا

سيكون الموت خير نهاية لهذه القصّة المفجعة، وبذلك فإن نفيسة تتخلّص من معاناة كبيرة يفرضها عليها مجتمع لا يرحم، وستقول لأخيها: «إن ما ورائي في الحياة أفظع من الموت». والمعنى واضح هنا، أي أن العقاب من قبل المجتمع سيكون عنيفاً..

وأن الموت بكلّ بشاعته سيكون رحمة لها من العنف الذي ستلقاه. وفي الوقت نفسه، فإن حسنين بانتحارها يتخلّص من عبء قتلها انتقاماً للشرف، وسيحافظ على مرتبته الوظيفية والاجتماعية.

لكنّ الإنعطافة المفاجئة لحسنين في ختام المشهد السينمائي ستكون قمّة في الإثارة الدرامية، سيقدّمها المخرج بدءاً من دخوله قسم البوليس واصطحاب نفيسة الموقوفة في قسم العاهرات، وبما يشبه التراجيديات الكبرى، سيذهب بها إلى مصيرها المحتوم: الانتحار في النيل..

وفي تلك اللحظات السريعة، سيكتشف حسنين أنّه الأولى بالانتحار، كونه ما صار ضابطاً إلاّ بما كان أخوه المتاجر بالمخدرات وأخته العاهرة يمدّانه من مال، سيدرك أيضاً أنه لم يعد له قيمة في هذه الحياة التي سعى جاهداً لكي ينتمي إليها. فلم تقبل به سابقاً، ولن تقبل به الآن ولاحقاً.. لن تقبل سوى بموته.

Ⅶمن أهم الروايات الاجتماعية التي عالجت قضايا الطبقة الوسطى بدرامية عالية

Ⅶمصر ثلاثينيات القرن الـعشرين والانقسام الاجتماعي الحاد محور الحبكة الروائية

Ⅶسرديات تغوص في بؤر الصراع في حياة عائلة آمنت بالتضحية لتحدي العوز

Ⅶدلالات كامنة في عالم متخيّل موازٍ للواقع وكثافة تركيز على جوانب بعينها

Ⅶواقعية نقدية خاصة وسرد يخلو من إقحام المؤلف رأيه أو ميله إلى أيديولوجيا معينة