«يوماً بعد يوم كنت أسمع صيغة التنويم المغناطيسي تتكرر، بينما أنا مستلق نصف نائم في عيادة الدكتور داهل (ستكتب كونشرتو وستكتبه بسهولة متناهية وسيكون ممتازاً)، على الرغم من أنه يبدو لا يصدق. لكن هذا العلاج ساعدني حقاً. فبحلول الخريف كنت قد أنهيت حركتين من كونشرتو البيانو».
بهذه العبارات لخص المؤلف الروسي الموسيقي سيرغي رخمانينوف، كيف كتب الكونشرتو الثاني للبيانو بمرافقة الأوركسترا: مصنف رقم 18، أحد أشهر مؤلفات هذا الموسيقي الروسي الشهير. وأحد أشهر أعمال الكونشرتو للبيانو في تاريخ الموسيقى.
يرى النقاد أن أهم العقبات أمام أي مؤلف خلاق هي أن يقدم أفكاره وشجونه باختصار ويسر. فمع الوقت والخبرة المتراكمة يدرك الفنان صعوبة كتابة مادة سهلة للاستماع وعميقة في الوقت نفسه.. ومؤكد أن سيرغي راخمانينوف، من هذه الطينة، وهو آخر فرسان المدرسة الروسية الرومانسية المتأخرة.
إذ حاول في معظم أعماله أن يكون مختصراً وواضحاً. ويرجح كثيرون في المجال أنه نجح في تقديم مواد غاية في الصعوبة التقنية، خصوصاً أعمال البيانو، مع احتفاظه بسهولة وجمالية شاعرية لحنية كبيرة. ولعل الكونشرتو الثاني للبيانو، أكثر أعماله شعبية، خير مثال على ذلك.
عبقرية وامتنان
كتب رخمانينوف هذا العمل، بطاقة وثقة كبيرتين، يغذيهما الامتنان لطبيبه النفسي المعالج الدكتور نيكولاي داهل الذي أعاد رخمانينوف إلى عالم التأليف بعد دخوله مرحلة اكتئاب مرضي حاد..
وإدمان على الكحول هجر خلاله التأليف لسنوات بعد سقوط سيمفونيته الأولى عام 1897، بالتزامن مع رفض الكنيسة الأرثوذكسية الروسية زواجه بابنة خاله ناتاليا ساتينا، ما اضطره للعلاج في عيادة صديقه الدكتور داهل الذي أعاد الثقة لروحه عن طريق التشجيع الدائم..
وعبر جلسات إيحائية عن طريق التنويم المغناطيسي. وفعلاً، بدأ كتابة الكونشرتو الثاني للبيانو بمرافقة الأوركسترا تلبية لطلب أكاديمية الموسيقى في لندن، الخاص بكتابة عمل منفرد للبيانو مع أوركسترا. ومع نهاية عام 1900 كان قد أنهى حركتين من العمل: الثانية والثالثة.
وقدمهما في حفل تحت قيادة ألكسندر سيلوتي، فكان النجاح كبيراً. ثم عاد ليقدم العمل كاملاً في نوفمبر عام 1901، بعد أن أهدى العمل لطبيبه المعالج عرفاناً بفضله.. وشكراً صادقاً من قبله، لأنه أعاده إلى عالمه الحقيقي كمؤلف وليس فقط كعازف. وعقب نجاح الكونشرتو نال المؤلف والعمل، شهرة داخل روسيا وفي كل أنحاء العالم، حيث أصبح أحد أكثر الأعمال شهرة وأداء.
ثلاث حركات
يتألف هذا العمل من ثلاث حركات، تتميز بقوة التركيبة الهندسية واللحنية الروسية العالية التي تتميز بغنائية نفاذة تلهب العواطف. فنحن ننتقل مع الموسيقى من السكون إلى الغليان، ومن الفرح إلى حزن كئيب حسب تقاليد الموسيقى الكلاسيكية الروسية، وبالتحديد تشايكوفسكي والخمسة الكبار. أما عن الصعوبة التقنية العالية..
فكثير من عازفي البيانو يؤكدون أن عزفه بأمانة ودونما احتيال، عملية صعبة للغاية. وقدم رخمانينوف هذا العمل كثيراً في حفلاته وبنجاح كبير، بفضل أدائه البارع جداً. وكانت شهرة رخمانينوف كعازف بيانو بارع جداً أكبر منها كمؤلف في بداية مشوراه الفني.
الحركة الأولى: أجراس الشغف
يبدأ المؤلف الحركة الأولى بضربات للبيانو، تشبه قرع الأجراس في الكنائس أو تشبه الخطى الأولى التي تتعالى شيئاً فشيئاً حتى يقود غليان البيانو إلى دخول آلات الوتريات في الأوركسترا، بالمادة اللحنية الأولى التي يتغنى الكثيرون من محبي الموسيقى بجمالها لقوة لحنيتها الغنائية التي تعكس المفهوم اللحني الروسي بعمق. وبعدها يستعرض المؤلف اللحن الثاني.
ولكن هذه المرة يتولى البيانو عرض اللحن بفيض شاعري هائل، محققاً الكثير من الذرى اللحنية. ثم تبدأ مرحلة التفاعل بين الأوركسترا والبيانو الذي يستمر بدفع الموسيقى إلى إعادة عرض المادة اللحنية الأولى بشاعرية ضخمة، وعقبها تنحسر ليعود البيانو إلى نقاشات لحنية..
ثم يفسح الطريق لآلة الهورن، لتذكرنا باللحن الثاني بمشاركة آلة الباصون، فيدخل البيانو من جديد ليعلن ثورة صغيرة تقود إلى نهاية هذه الحركة بطريقة بطولية رصينة.
الحركة الثانية: وحيد تماماً
لا يعرف الكثيرون من محبي الأغنية الشهيرة (أول با ماي سيلف): (all by may self) التي غناها العديد من مشاهير الأغنية القصيرة، أمثال فرانك سيناترا، سيلين ديون.. (إريك كارمن أول من غناها). لا يعرفون أنها تشكل اللحن الأساسي للحركة الثانية نبيلة الجمال..
حيث يضعنا المؤلف منذ بداية هذه الحركة أمام تأليفات تشبه التراتيل الكنسية الروسية (ليتورجية) التي تذكرنا كثيراً بتشايكوفسكي. ثم يدخل البيانو في لحظة تأملية تفسح المجال لآلة الفلوت لغناء لحن شفاف: (أول باي ماي سيلف).
الحركة الثالثة: «جمر روسي»
بعد الأجواء الغنائية العميقة، تفتح الأوركسترا الحركة الثالثة «جمر روسي بنكهة شرقية»، بإيقاع يذكرنا بألحان وأجواء الرقصات الروسية التي تفتح الباب لدخول درامي ناري للبيانو الذي يحضر لظهور اللحن الأول اللحن الأول الذي يتميز بالقوة والصرامة في حوار بين البيانو والأوركسترا نسمع فيه الكثير من التموجات ينتهي بالبيانو وحيداً وسط تداعي أفكار تأملي تقطعه الوتريات بغناء عالي الشاعرية..
يعلق عليها البيانو بشاعرية أكبر تدفعه إلى تداعيات أفكار تحمل نكهة شرقية كانت شائعة بين المؤلفين الروس في تلك الحقبة، بمرافقة إيقاع متميز يحمل بداخله روح الغليان، ولا يلبث أن يطوره المؤلف من الهدوء إلى لحظة درامية نارية تشكل عينة واضحة من درامية المدرسة الرخمانينوفية في التأليف.
ويعود المؤلف في التفاعل إلى تطوير اللحن الشرقي عند البيانو ولكن بطريقة سيمفونية حوارية مع الأوركسترا تثمر انفجاراً أوركسترالياً لحنياً ضخماً يتحول إلى حوار يقود إلى نهاية بطولية لأحد أجمل الكونشرتات المكتوبة للبيانو والأوركسترا.
في السينما
1978
وظف المخرج الأميركي تشارلز بورنيت، موسيقى العمل في فيلمه (كيلر أوف شيب).
1996
أحدث فيلم المخرج سكوت هيكس شاين، ضجة كبيرة في الأوساط السينمائية والموسيقية. وكان لموسيقى الكونشرتو الثاني دور مميز جداً في الخصوص.
2010
عرف عن المخرج والممثل كلينت أيستوود، حبه لموسيقى رخمانينوف، بشكل عام. واستعمل موسيقى الحركتين الثانية والثالثة من الكونشرتو بشكل مرهف دقيق في فيلمه (هيرافتر):«Hereafter».
في الفنون الجميلة
1985 ألهمت موسيقى هذا العمل الرسامين ومبدعي الفنون الجميلة، لمحاولة نقل الشغف والحب والعاطفة التي تحملها. وهو ما تحاكيه لوحة الرسام والموسيقي الفرنسي ثيري لو كوغ.
1994 نرى في لوحة الرسام الأميركي روكو بيستو، عن العمل، منمنمات وآرابيسك من الألوان، تعكس رأيه في تصوير موسيقي راخمانينوف المكتظة بالعواطف.


