ولد يحيى حقّي في حيّ السيدة زينب بالقاهرة عام 1905 وعاش حتى العقد الأخير من القرن العشرين عام 1992، وبذلك يمكننا اعتباره شاهداً على أحداث القرن الجسام وعلى تطوّر الحياة الثقافية والإبداعية، لا سيّما وأنه ترعرع في أسرة مثقفة كانت المطالعة أساسية في حياتها، فقرأ لعدد من الكتّاب العرب والأجانب المعروفين.
ولقّب حقّي بـ«الأب الروحي» لجيل الستينيات من القرن الـ20، كما نال جائزة الدولة التقديرية في الآداب، وهي أرفع الجوائز التي تقدّمها الدولة المصرية للمفكرين والأدباء والعلماء، فضلاً عن نيله وسام «الفارس» من الحكومة الفرنسية وعددا من الجوائز الثقافية الرفيعة.
روايته «قنديل أمّ هاشم» جاءت مشرقة بأنوارها ومجابِهةً بأفكارها أزمنة الجهل وعاداتها وتقاليدها المتخلّفة، ولقيت أطروحتها المبكّرة هذه استحسان الناس كافة بمن فيهم النقّاد، واستقرت في الذاكرة أكثر مع الفيلم السينمائي الذي أعدّ عنها، من بطولة شكري سرحان وسميرة أحمد وأمينة رزق وعبد الوارث عسر، ومن إخراج كمال عطية عام 1968.
ملخّص
تدور أحداث الرواية في حي السيّدة زينب المحاذي للمسجد وللمقام المسمّى باسمها، وهو حيّ شعبيّ مكتظّ بالسكان البسطاء الذين يعتقدون بكرامات السيّدة التي استقر تبجيلها وتقديسها في الوجدان العام، واستغلّ البعض هذا الاعتقاد فبات يوزّع أو يبيع زيت قنديل الإنارة على أنه دواء شاف من أمراض العين، ولكنه في حقيقة الأمر كان يفتك بها، ومع ذلك لم يكن بإمكان أحد أن يقف بوجه هذه الكارثة إلى أن جاء اسماعيل ابن الحيّ نفسه حاملاً شهادة تخصصية في طبّ العيون..
ومن هنا تبدأ الأحداث بالتوتر والتصاعد عبر صراع أعلنه الطبيب الشاب فما لقي سوى الاستنكار والاستهزاء، وعندما تجرّأ وحطّم القنديل ثار المريدون في شكل من أشكال الهستيريا الجمعية غير المفكّرة والذاهبة باعتقادها حدّ التقديس الكلّي، وراحوا يعنفونه ويضربونه بأقسى ما يمكن، وليس غريباً، بطبيعة الحال، هذا الموقف من بشر تغلغل في نفوسهم حبّ السيدة أم هاشم..
وإنما الغريب عندما تبدأ المواجهة داخل بيت الطبيب، بينه وبين أمّه المصرّة على معالجة ابنة عمّه وخطيبته فاطمة بزيت القنديل رافضة كلّ الرفض علوم ابنها الطبيّة، فضلاً عن موقف الأبّ الذي ناضل لأجل أن يكون ابنه طبيباً، ومع ذلك وقف إلى جانب الأمّ في لحظة مشحونة بالعنف لأجل المعتقد:
«اسماعيل: أنا لا أعرف أم هاشم ولا أم عفريت».
هبط على الدار صمت مقبض. في هذا البيت تعيش قراءة القرآن الكريم والأوراد، وصدى الأذان. كأنها جميعا استيقظت وانتبهت، ثم أطرقت وانطفأت. وحل محلها ظلام ورهبة. لا عيش لها مع هذه الروح الغريبة التي جاءت لهم من وراء البحار.
وسمع صوت أبيه كأنما يصل إليه من مكان سحيق:
- (ماذا تقول؟! هل هذا كل ما تعلمته في «بلاد بره»؟ كل ما كسبناه منك أن تعود إلينا كافراً؟).
وهذا ما التمسناه في المشاهد الأولى للفيلم وفي استهلال الرواية أيضاً، فالزائرون للمقام يرتمون على عتباته يقبلون رخامه بمجرّد أن يصلوا غير مكترثين بأقدام المارة الغادية والمغادرة وذلك وفق هذا الاستهلال:
«كان جدّي الشيخ رجب عبدالله إذا قدم للقاهرة وهو صبيّ مع رجال الأسرة ونسائها للتبرك بزيارة أهل البيت، دفعه أبوه إذا أشرفوا على مدخل السيّدة زينب، وغريزة التقليد تغني عن الدفع، فيهوي معهم على عتبته الرخامية يرشقها بقبلاته، وأقدام الداخلين والخارجين تكاد تصدم رأسه».
والجدّ هنا والد إسماعيل نفسه، وراوي الحكاية حفيده، جاء إلى القاهرة طلبا للرزق، واختار لإقامته أقرب المساكن لمسجده المحبب. وهكذا استقر بمنزل قديم، يواجه ميضأة المسجد الخلفية، في الحارة التي كانت تسمى «حارة الميضة». ثم فتح متجرا للغلال في الميدان أيضا. وهكذا عاشت الأسرة في ركاب «الستّ» وفي حماها: (أعياد «الستّ» أعيادنا، ومواسمها مواسمنا، ومؤذن المسجد ساعتنا).
تبدل
وعلى هذا النحو من الكشف، يغزو الروائيّ الوجدان الشعبي والذاكرة الثقافية لهذا الحيّ الذي مركَزَ السيّدة زينب في مكانة القداسة المطلقة، فباتت مَأمَلَ رجائهم يتوجّهون إليها طوال اليوم بالدعاء والتبرّك وأداء الصلوات والاعتراف..
بينما في ركن جلّي يتدلى المصباح مشعاً بزيته يحرسه الشيخ الدرديري ومجموعة من المتصوّفة المهابيل الذين لا يرون شيئاً سوى الكرامات والمعجزات التي تقوم السيّدة بها وهذا المجتزأ يضيء معتقدهم: «تعرف يا سي إسماعيل ليلة الحضرة يجيء سيدنا الحسين والإمام الشافعي والإمام الليث. يحفون بالسيدة فاطمة النبوية والسيدة عائشة والسيدة سكينة.
وفي كوكبة من الخيل، ترفرف عليهم أعلام خضر. ويفوح من أردانهم المسك والورد. يأخذون أمكنتهم عن يمين الست وعن يسارها. وتنعقد محكمتهم وينظرون في ظلامات الناس. لو شاؤوا لرفعوا المظالم جميعها ولكن الأوان لم يَئِنْ بعد. فما من مظلوم إلاّ وهو ظالم أيضاً. فكيف الاقتصاص له؟
في تلك الليلة. هذا القنديل الصغير الذي تراه فوق المقام، لا يكاد يشع له ضوء، ينبعث منه عندئذ تلألؤ يخطف الأبصار. إني ساعتها لا أطيق أن أرفع عيني إليه. زيته في تلك الليلة فيه سر الشفاء - فمن أجل ذلك لا أعطيه إلا لمن أعلم أنه يستحقه من المنكسرين».
إمكانية
تنطرح في العمل إشكالية غرب وشرق ولكن ليس بشكلها المباشر، وإنما من خلال اسماعيل حامل أفكار الحداثة والعقلانية والعلمية، بحيث يغدو ممثّل هذا العالم ورمزاً من رموزه، بعدما كان قبل سفره شبيهاً بكلّ هؤلاء ويعتقد بمعتقداتهم، وإن دلّ هذا التغيّر على شيء، فإنما يدلّ على إمكانية أن تتغيّر مصر الواعية والمثقفة وتواكب العالم في تطوّره وتقدّمه، وهنا تتكاثف مقاصد الروائي في دخول الحضارة من بوابة العلم والعقل.
ختاماً
الرواية بمثابة لوحة حيّة وكاملة التفاصيل أبدعها الروائيّ الذي عاش في المكان نفسه، ثمّ صاغها مكثّفاً زاوية الرؤية أو الكاميرا نحو ما ينبغي أن يكون سواء بالتحرر من هذا العالم الاستثنائي الذي لا يرمز إلى شيء سوى الجهل والتخلّف والابتعاد عن الدين نفسه، أو دحض آليات التفكير بمنجزات العلم الحديث وبخاصة الطبّ باعتباره على تماس مباشر بحياة الناس..
ولكنه قبل ذلك ذهب إلى الدرديري حارس القنديل معلناً تفهّمه لمسألة الزيت، وأنه بدءاً من اليوم سيعالج مرضاه به إلى جانب أدويته، وبذلك لقي القبول الشعبي، وهي لقطة موفّقة نقدّرها للروائي المستشرف للزمن المقبل.
Ⅶ كاتب العمل يحيى حقّي مولود عام 1905 في حي السيدة زينب مسرح أحداث روايته
Ⅶ لُقّب بالأب الروحي للأدباء في ستينيات القرن ال20 واعتبر منفتحاً على التطورات
Ⅶ رواية جاءت مشرقة بأنوارها ومجابِهةً بأفكارها أزمنة الجهل وعاداتها وتقاليدها
Ⅶ تحليلات تغزو الوجدان الشعبي وتبحث في مفاهيم واعتبارات مُقيّدة
Ⅶ العلاقة الإشكالية بين الغرب والشرق تلقى حيزاً كبيراً من المعالجة المباشرة في العمل
Ⅶ إسماعيل «أحد أبطال العمل» صورة المتنور حامل أفكار الحداثة والعقلانية والعلمية
Ⅶ دعوة جوهرية
في المضمون مفادها .. وجوب دخول الحضارة
من بوابة العلم والعقل
Ⅶ ثورة أدبية على العالم الاستثنائي المجسد التخلّف تنتصر لآليات التفكير الحداثي


