«دعاء الكروان» رواية طه حسين بتوقيع هنري بركات

صورة

لا يمكن الكتابة عن رواية طه حسين «دعاء الكروان»، دون الوقوف عند الفيلم الشهير بالاسم نفسه لهنري بركات، الفيلم الذي أنجز عام 1959 معيداً إنتاج الرواية وكأنها كتبت لتوّها لأجل أن تمثّل سينمائياً بلغة أو بلغات مختلفة وفق ثقافة الشخصيات وبيئاتهم المكانية، وذلك بفضل كاتب السيناريو المبدع يوسف جوهر ورؤية المخرج بركات، اللذين نجحا في تجاوز لغة طه حسين البليغة..

والتي هي أقرب إلى الشعر منها إلى السرد الروائيّ المستمد من لغة الحياة اليومية، وبابتكار الحلول المناسبة لتقديم أطروحة طه حسين التي كتبت في ثلاثينات القرن الماضي، في بيئة محافظة عموماً وفي منطقة الصعيد القاسية ببيئتها وبذكورتها.

ونوّه نقّاد كثر إلى أهمية الفيلم الذي أنجزه بركات، وجرى تصنيفه في مراتب متقدّمة في تاريخ السينما المصرية، وهمّ محقّون في ذلك بلا شكّ، لا سيّما وأن بركات اختار بطلة تناغم مع أدائها على نحو مدهش، فصعدت بفيلمه عالياً بحضورها الغني..

ولا سيّما في تبدّلات الشخصية وتطوّرها وعبورها أزمنة عديدة خلال فترة وجيزة، من زمن القبيلة إلى زمن المدينة وعلاقاتها المعقّدة إلى زمن الفتاة المثقفة المشبعة إنسانياً، ونعني بها فاتن حمامة، الفنانة التي مثّلت لهنري بركات عدداً كبيراً من الأفلام، ومن أشهرها:

«الحرام» ليوسف إدريس عام 1965، وهذا فضلاً عن الفنانين الكبّار الذين خلّدوا أسماءهم أيضاً إلى جانبها، بما قدّموه من أداء عال قلّ أن نلحظه، ومنهم:

أحمد مظهر وأمينة رزق وزهرة العلا.. وغيرهم كثر، اشتغلوا كفريق متكامل لتقديم تحفة سينمائية جسّدت هذه التراجيديا المفعمة بعنف الذكورة في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد بصرامة وقسوة، وخاصة في ما يرتبط بحوادث الشرف، إذ تبدأ الأحداث بقتل الأب ثمّ ما تلبث أن تلحق به ابنته الكبرى هنادي، بعد زمن قليل وعلى يد الخال.

(فلاش باك)

تنهض الحكاية من منتصفها على شكل فلاش باك، تسترجع من خلاله (آمنة): فاتن حمامة، الأحداث التي ألمّت بأسرتها بعد مقتل أبيها على يد طالبي الثأر، الأمر الذي يدفع بخالها، الحريص على التقاليد، إلى إبعادهم عن أجواء القرية الصغيرة بدعوى أنهم: طالما ظلّوا فيها فإن الألسنة ستلوك سمعته وشرف العائلة بما لا يرضيه، وأهون عليه رمي أخته وابنتيها إلى المجهول من أن يسمع كلاماً يمسّ الشرف، وهكذا تنطلق الأمّ:

(أمينة رزق) بابنتيها: هنادي (زهرة العلا) وآمنة (فاتن حمامة) من فضاء الريف الصارم إلى فضاء البندر أو المدينة الصغيرة، التي ستبدو لنا أنها لا تقلّ قسوة وبشاعة عن ما تركته الأسرة هناك، إذ ليس ثمّة عمل للفتاتين سوى الخدمة في البيوت، وإذا كان نصيب (آمنة) العمل في بيت المأمور وصداقة ابنته المثقفة المتعلّمة والإنسانة الرقيقة خديجة..

فإن حظّ أختها أوقعها في بيت مهندس قاهري عازب ومتحلل من القيم كافة، فهو يعاقر الخمرة باستمرار، ويعتبر أن من حقّه كـسيّد أن يعتدي على خادمته، وهذا ما حدث لهنادي، بعد أن سقاها الخمرة وغرر بها، وهي الفتاة الريفية البسيطة والأقرب إلى السذاجة، الأمر الذي سيفضي إلى قتلها على يد الخال وأمام أسرتها.

يقظة آمنة

آمنة كشاهدة وضحية في الوقت ذاته، تقسم على أن تنتقم من هذا المهندس، وأوّل انتقامها بدأ عندما تقدّم لخطبة خديجة ابنة المأمور، فحرصت على إبلاغ زوجة المأمور بما فعله هذا المجرم مع أختها، فأنقذت بجرأتها صديقتها البريئة وفسخت الخطوبة ورحل المأمور وعائلته..

تمهيداً لما سيأتي من أحداث جسام تنهض على مواجهة غير منصفة: بين سيّد متعال يقف المجتمع والقانون إلى جانبه، وامرأة خادمة مكسورة الجناح وليس لها من يقف إلى جانبها سوى الله. وهذا الكروان الذي تخاطبه في ليالي انتظارها.

المقصدية

عبر هذا الصراع الذي أخذ أشكالاً عدّة، سعى طه حسين إلى تعرية الواقع المصري في تلك الأيام من ثلاثينات القرن الماضي وبجرأته المعهودة، فهو الأديب والمفكّر العقلاني الذي جابه الفكر الأصولي طوال حياته، ساعياً إلى تكريس القيم الحضارية ونشر التعليم ونبذ الخرافات والعادات والتقاليد البالية، التي تعيق عملية التقدّم الثقافي والحضاري.

ومن هنا، فإن قارئ الرواية أو مشاهد الفيلم، سيتلمّس حضور طه حسين، سواء من خلال السرد أو من خلال تسليط الضوء على حملة من السلوكيات المشينة ومآلاتها الضارة، لا سيما وأن العالم المتحضّر تجاوزها، فأولى بمصر العريقة أن تتجاوزها أيضاً.

الحبّ ينتصر

بالرغم من قسوة الواقع الذي أشرنا إليه، إلاّ ان ثمّة ظلالاً رومانتيكية بدت واضحة في الرواية قبل الفيلم، وتجلّى هذا الحضور في الشاعرية الأخّاذة ما بين آمنة وكروانها المغرّد، وفي أوج صراعها مع المهندس، وذلك عندما تتهيّأ لها الفرصة لدسّ السمّ في كأس الخمرة..

وتكاد تقتله لولا أنها في تلك اللحظة الصعبة سترمي بالكأس أرضاً، معلنة أن القتل عملية بشعة وتستغرب كيف يمارسه الآخرون، وفي هذه اللحظة سيكتشف المتابع أن الحبّ استيقظ في ذاتها بدلاً من الانتقام، وأن أشكال الانتقام متعددة ويمكن أن يكون رمزياً وعبر الحبّ ذاته وذلك بما عبّرت عنه:

«نعم الشكّ في هذا القلب الذي يضطرب بين جنبيّ بعد أن استيقن أن هذا الشاب يحبّني ولا يستطيع عنّي سلواً، ما خطب هذا القلب؟ أمحبّ هو أم غير مكترث؟ فإن تكن الأولى ففيمَ المقاومة، فيم العذاب وفيم تعذيب الحبيب؟».

النهاية

ربّما لم يتمكّن هنري بركات من فهم رمزية خاتمة الرواية، وربّما أراد أن يساير ما دأبت عليه السينما المصرية في خواتيم أفلامها بانتصار الخير على الشرّ، على افتراض أن المهندس أخطأ وينبغي أن ينال العقاب، فعمل مجدداً على إحضار الخال القاتل، رمز الذكورة العمياء للانتقام، لتودي رصاصته بالمهندس العاشق الذي صحا ضميره واعترف بأخطائه..

وأبدى استعداده للتعويض عن مأساة آمنة بالزواج منها، والحبّ بطبيعة الحال صانع المعجزات، غير أن رصاصة الخال القاتلة أعادت الأمور إلى المربع الأوّل..

بينما الرواية تعزز رؤية طه حسين حول إمكانية الحبّ في تطهير النفوس من الآثام كافة، بما في ذلك عاطفة الانتقام، على اعتبار أن الانتصار حدث رمزياً على ممثل الذكورة في جانبها المدني.. نهاية أخّاذة تليق بمواقف كاتبها، وتنتظر من قارئ الرواية أن يتأمل مطوّلاً سائلاً نفسه: ماذا كان سيفعل لو كان هو أحد هاتين الشخصيتين؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات