لا شك أن استمرارية أي عمل فني في البقاء حيا لمدة طويلة، كما حال اوبرا (حلاق اشبيلية ) للمؤلف الايطالي الشهير جواكينو انطونيو روسيني، بيان على الثراء الثقافي والقدرة التي يتحلى بها في تجاوز تذبذبات احتياجات النفس البشرية النفسية والفكرية.

وفي السياق، تبرز ( حلاق إشبيلية) واحدة من الاعمال التي لا تقف معطيات الزمن أمام تألقها. فكثيرة هي الأعمال التي تبنى على الضحك والهزل وتفجير الابتسامة لدى الجمهور، وقليلة تلك التي تبقى في الذاكرة لأنها مزيج من المضحك المبكي ومن التفكير والتأمل.

المسرح الفرنسي والاوبرا الايطالية

تستند هذه الأوبرا الكوميدية الهزلية، الى مسرحية بالعنوان نفسه، للكاتب الفرنسي بيير دي بومارشيه. وأثارت هذه المسرحية الكثير من الجدل لتعريتها ونقدها طبقة النبلاء والحكام، مسخرة الكوميديا لتحقيق ذلك. كذلك كان الأمر في الاوبرا حيث تحدث كثير من الباحثين الموسيقيين عن جرأة روسيني، عندما قرر نقل أحداث هذا العمل المسرحي إلى عالم الاوبرا.

وحملت الاوبرا بين ثناياها الكثير من التهكم الساخر على الأوضاع الاجتماعية السائدة في بدايات القرن التاسع عشر. وعكست التبدل في القيم السياسية والاجتماعية في أوروبا.

قدم روسيني الاوبرا للمرة الأولى في فبراير عام 1816 في مدينة روما. وكانت مؤلفة من فصلين. وأعد نصها للمسرح الغنائي الشاعر تشيزاري ستيربيني الذي نجح في نقل جو الفكاهة والمرح والتهكم. أما روسيني المشهور بغنائيته فقدم موسيقى تتميز بالتعبيرية والحسية من خلال الوضوح والبساطة. لتكون المحصلة عبارة عن موسيقى منمقة وسهلة التناول.

حلاق المدينة الماهر

يبدأ العمل التي تدور أحداثه في مدينة إشبيلية بإسبانيا في القرن السابع عشر، بافتتاحية مشهورة جدا بإيقاعها المثير ولحنيتها المحببة المشتعلة. فتعزف الاوركسترا مقدمة بطيئة ذات لحنين ثم اللحن الشهير للافتتاحية.

يصرف الكونت الموسيقيين ويبقى حزيناً لعدم ظهور روزينا. لكنه يسرع بالاختباء عندما يظهر «فيغارو» حلاق المدينة وكاتم أسرارها، وهو يغني (أنا خادم المدينة ). وفجأة، يلمح الحلاق الكونت ويلاحظ تكتمه على سبب وجوده.

رسالة وأحداث

تظهر روزينا على الشرفة حاملة رسالة للرجل الذي يغني تحت شرفتها.. تترك روزينا الرسالة تفلت من يدها عندما تلمح الكونت وتشير إليه ليلتقط الرسالة. فيتملك بارتولو الغيظ عندما ينزل ليبحث عن الرسالة، فلا يجد الورقة. يغادر بارتولو المنزل موصياً روزينا بأن لا تسمح لأحد في دخول البيت باستثناء بازيليو، وهو يتمتم أن زواجه من روزينا ينبغي أن يجري في أسرع وقت.

يسأل الكونت فيغارو عن بازيليو، فيقول إنه وغد يعبد المال. يقرر الكونت أنه لا يريد أن تعرف روزينا حاليا اسمه ولقبه، لأنه يريدها أن تحبه لشخصه. ثم يغني أغنية عاطفية حارة، يقول فيها إنه رجل فقير لا يمتلك سوى حبه وإخلاصه واسمه ( ليندورو ).

فتهم روزينا بالرد عليه لكنها تصمت لأن أحدهم دخل الغرفة. فيجن الكونت ويأمر فيغاروا بترتيب لقاء مع الفتاة، مقابل منحة مالية ممتازة. فيمتدح فيغارو المال، مشيرا الى أنه مجرد ذكره أوحى له بخطة توصل الكونت إلى روزينا.

خطة الدخول

تتلخص الخطة في أن يتنكر الكونت في زي جندي ثمل، لأن كتيبة من الجنود دخلت المدينة وسيوزع أفرادها على بيوت الأهالي. فيوافق الكونت على الخطة لأن قائد الكتيبة ابن عمه، ويتصنع الثمل بعد تنكره بزي جندي لتضليل بارتولو.

في المشهد التالي، نرى روزينا فرغت من كتابة رسالة لليندورو ( الكونت ). فتغني ان صوته تسلل إلى قلبها. ثم تقول إنها سترسل فيغارو لينقل رسالتها إلى حبيبها فيدخل فيغارو حاملا ً رسالة، لكن يسمع وقع خطوات بارتولو..

فيختبئ. يدخل الطبيب غاضباً ثم يدخل بازيليو قائلاً إنه جمع معلومات بخصوص الرجل المجهول الذي يغازل روزينا، وهو الكونت المافيفا. فيقول الطبيب لبازيليو إنه لا مناص من زواجه من روزينا مباشرة.

يخبر فيغارو روزينا بما سمع، فتسخر من فكرة زواجها ببارتولو، ثم تسأل فيغارو عن الشاب فيجيبها انه شاب ممتاز لكنه مشغول بحب فتاة. فتسأل روزينا: وهل تقيم هذه الفتاة بعيداً. فيجيبها بأنها ليست بعيدة. وتسأل: هل هي جميلة؟ فيجيب فيغارو: هي حسناء سمراء في السادسة عشرة من عمرها.

تسأله روزينا عن اسمها، فيذكر أن اسمها روزينا. يدخل الكونت متنكراً في زي جندي ثمل فيصعق بارتولو عندما يبلغه الكونت أن قيادة كتيبته أمرته بالإقامة في بيته وينتهز الفرصة ارتباك الطبيب ليفهم روزينا أنه ليندورو. شك وادعاء

يدخل الكونت منزل بارتولو، في الفصل الثاني، وقد تنكر هذه المرة بزي دون ألونزو تلميذ بازيليو، الذي يدعي أن أستاذه مريض وأرسله بدلا عنه.يدخل فيغارو حاملا عدة الحلاقة..

لكن الدكتور يطلب منه التأجيل فيرفض الحلاق بحجة جدول مواعيده المزدحم فيضطر الدكتور للموافقة ويعطيه مفاتيح المخزن ليحضر الصابون. زواج الكونت و روزينا يدخل الكونت والحلاق من الشرفة في الموعد المحدد، لكن روزينا ترفض الهروب. ويحضر بارتولو مع رجال الشرطة لإلقاء القبض على الكونت و فيغارو بتهمة اقتحام منزله، لكن زواج الكونت من روزينا كان قد وقع.