طروادة فرسان يبحثون عن المجد والخلود

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

في تلك اللحظة التي غضب فيها آخيل من أجاممنون الذي استحوذ على أسيرته الطروادية «بريسيس» تتصاعد أحداث الإلياذة، وتذهب تلك الوجهة التي شاءتها الأقدار لها، و«بريسيس» من الفتيات اللواتي نذرن أنفسهن لخدمة معبد (الإله) أبولو الذي انزعج مما جرى لها، فأرسل داء الطّاعون ليفتك بالجيش الإغريقي المحاصِر لطروادة منذ نحو عشر سنوات.

وكأننا بهوميروس، صانع الحكاية، في ذلك الزمان الموغل في القدم، كان يدرك أن بناء نصّه الملحمي المليء بالأبطال العظام وبعشرات الحكايات المتفرّعة عن الحكاية الإطارية الكبرى، يقتضي بداية حكايته من منتصف أحداثها وإبّان احتدامها، كي يسيطر على سامعه/‏ قارئه، والذهاب به إلى الماضي القريب ومن ثمّ إعادته إلى ساحة الحرب الدائرة على أسوار طروادة الحصينة..

وبالتالي فإنه عبر الفصول الأربعة والعشرين، سيسرد وقائع هذه الحرب التاريخية بين الإغريق والطرواديين، الذين كانوا قبل برهة من الوقت جلسوا إلى طاولة المفاوضات وعقدوا معاهدة صلح وسلام.

طلب ورغبات

خلال الاحتفال، يقع الأمير باريس في غرام هيلين زوجة الملك الأسبرطي مينلاس، ثمّ يختطفها ويمضي عائداً بسفينته إلى طروادة، الأمر الذي أشعل روح الانتقام في قلب مينلاس، فما كان منه إلا أن يطلب مساعدة أخيه أجاممنون ملك أرجوس الطامح للسيطرة على بحر إيجه، فيستجيب له على الفور، وإنما لتحقيق رغباته السياسية، فيستنفران جيوش ممالك الإغريق كافة، فيأتي أوليس بطل الأوديسة المعروف..

ويأتي آخيل ملك الميرميديين، وابن الأسطورة المشهورة والمثل السائر حتى اليوم «كعب آخيل» كبطل لا يقهر، فضلاً عن مجموعة من الأبطال والحكماء والملوك الذين جسّد أدوارهم شاعر أعمى ومخرج هوليوودي فذّ اسمه ولفغانغ بيتريرس أحيا أولئك الأبطال مجدداً، ثمّ زج بهم في أتون المعارك الطاحنة.

 عمل خالد

 المقارنة بين الفيلم والنصّ الهوميري لا تذهب لصالح أحدهما، فكلاهما يستكمل الآخر ويذهب في تكريس نفسه كعمل خالد يتموضع في صدارة الأعمال الخالدة التي أنتجها الإبداع الإنساني، فهوميروس من جهة الإبداع تموضع عمله في صدارة الأعمال الملحمية الخالدة، إبداع خلاق اعتبره أرسطو المنبع الأساسي للتراجيديا المرتبطة بالواقع والتاريخ وأساطير اليونان..

وفضلاً عن هذا الرأي، يمكننا القول إن هوميروس كان يتابع بدقّة خط سير الأحداث، من خلال تركيزه على الشخصيات التاريخية وعلاقتها بالزمان والمكان، وبثقافة العصر، وكيفية التعبير عن كلّ ذلك فنياً لجذب السامع، لا سيما وأنه كان ينشد ملحمته على جمهور من السامعين، وبالتالي فإنه اجترح الكثير من الوسائل والتقنيات، كالاستطراد والتكرار وتفعيل دور الصدفة..

أو بإقحامه العامل القدري، مثل تدخّل آلهة الأولمب في حياة الناس العاديين تفعيلاً للأحداث، والمزيد من التشويق لجمهور متعطّش لسماع العجائب والخوارق لأبطاله المحبوبين.

 قدرة فائقة

وبالرغم من أنه شاعر أعمى، إلا أنه امتاز بتلك القدرة الفائقة على الوصف، وعلى تركيب المشهد البصري، الذي، وإن خلا من الألوان والظلال نتيجة عاهته، إلا أنه كان يستمد جزئياته من ذات مبدعة وذاكرة مستفيضة، شأنه في ذلك شأن المبدعين الآخرين الذين سطّرت أعمالهم الشعرية أو النثرية أعمالاً خالدة في التاريخ الأدبي، مما يذكّر بشاعرين ضريرين كبيرين من تاريخنا هما :أبو العلاء المعرّي، وبشار بن برد.

 رأيواللافت في المشهد البصري لدى هوميروس هو دمج الصورة مع الحكاية عبر إقامة التشبيهات. ومما لا شكّ فيه أن هوميروس كان في ملحمته هذه منحازاً للأبطال الإغريق، فكثير من القصص ووصف المعارك التي أوردها تؤكّد ذلك، إلا أنه في الوقت نفسه ما بخّس من قوّة أو من أخلاق الطرواديين، وإنما كان يعتبرهم أنداداً جديرين بالبطولة وبمواجهة الإغريق..

ولم ينس أن يعطي قارئه صورة وافية عن طروادة وشعبها وحياتهم تحت الحصار المرير، وما كان يسود بينهم من روح قتالية وتصميم على المواجهة حتى الرمق الأخير، فمع كلّ تلك الظروف الصعبة ما انفكّ أهلها يستبسلون في مواجهة الأعداء، مع إدراكهم التام الفارق الكبير في ميزان القوى..

وأنه إذا كانت (الآلهة) التي لا يمكن تحدّيها وقفت إلى جانب الإغريق، وكتبت الهزيمة على الطرواديين ..لكن لم يتمكّن الإغريق من مدينتهم الحصينة إلا بتلك الحيلة المشينة التي اقترحها أوليس: حصان طروادة.

أدوار وشخصياتومن هنا، فإننا نعتقد أنّ وولفغانغ بيتريرس عندما تصدّى لإخراج فيلمه (Troy) كان يدرك جملة الخصائص الفنية وعناصر القوّة فيه، فضلاً عن القيم الإنسانية في خطاب هوميروس، وكان لا بدّ له من أن يعتمد ممثلين كباراً لكي يجسدوا أدوار شخصيات عظيمة قادرة في الذاكرة الجمعية، ومنهم: براد بيت في دور «آخيل» وإيريك بانا في دور «هكتور».

وربّما من المشاهد المؤثّرة كذلك، مشهد ملك طروادة بريام وهو يقبّل يدي آخيل، عدوّه وقاتل ابنه، كي يعيد له جثّة ابنه هكتور ليقيم له جنازة تليق به، الأمر الذي أبكى آخيل الجبّار.

 

وفاز الفيلم بجوائز كبيرة عديدة، فضلاً عن الاهتمام الإعلامي الذي لقيه حين عُرض عام 2004 محققاً إيرادات خيالية، ما يؤكّد مدى اهتمام جماهير السينما بهذا النوع من الأفلام.

طباعة Email