لطالما كان فهم المدارس والاتجاهات الموسيقية في القرن ال20، أمراً صعباً. ولكن دراسة عصر الأفكار الفنية التي قامت عليها موسيقى ريتشارد فاغنر تجعل المهمة أسهل. فهو عصر فن التحولات والألوان المتدفقة، الذي ظهرت آثاره في أعمال أرنولد شونبيرغ وجيورجي ليغيتي الموسيقية..
وغيرهم من مؤلفي القرن العشرين . فإذا درسنا أوبرا (تريستان وإيزولده)، نجد أنه يصف بطريقة شفافة فريدة أعماق شخصيات الأوبرا، ويطلق الحرية للوعي ليرسم أفكارا ويطرح أسئلة عن الروح الإنسانية.
(تريستان وإيزولده) من أكثر أعمال فاغنر تعبيراً عنه، والأكثر انطلاقاً من ذاته. إذ وضع بنفسه أشعارها وصاغها كما يحلو له، انطلاقاً من الأسطورة الشهيرة التي تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، وعمل عليها ليجعلها مرآة لحياته، وتحديداً عن حالة الحب المتبادل التي كان يعيشها مع ماتيلدا الحسناء، زوجة صديقه الثري أوتو فون فسندونك. ويصور من خلالاها آلام الحب ومآلاته .. وكذا: (لعنته).
أغاني الحب اليائس
عبّر فاغنر في البداية عن حبه اليأس من خلال تأليفه 5 أغان كتبت ماتيلدا بنفسها نصوصها. ثم بدأ كتابة نص تلك الأوبرا، وعقبها كتب الموسيقى في 7 سنوات عاش خلالها آلام الحب فلم تكن مصادفة أن يختار موضوع أسطورة «تريستان وإيزولده»، وأن تكون خاتمتها بأغنية روحانية : (الموت حباً): «Liebestod».
وحين انتهى فاغنر من كتابة هذا العمل عام 1859، كتب الى ماتيلدا: أقسم أنه لم يسبق أن كتبت ما هو مماثل لهذا العمل. أنا واثق من أنك ستعجبين به كثيراً. وفي رسالة أخرى بعدها، كتب يقول: إن هذه الأوبرا، تبدو بالنسبة إليّ أشبه بالمعجزة، وأشعر أنها ستظل معجزة إلى الأبد، فأنا لا أستطيع إن أفهم أبداً كيف قيض لي أن أكتب شيئاً من هذا القبيل.
الأوبرا حسب فاغنر
لم يبدل فاغنر كثيراً في معنى النص ومجراه، لكنه فسّره، برأيي، كما شاء، واختصر القصة اختصاراً كبيراً، فركز على العلاقة بين تريستان وإيزولده، وبشكل خاص، منذ اللحظة التي يشربان فيها إكسير الحب.
ويبدأ الفصل الأول: إكسير الحب والموت، بعرض العديد من ألحان الأوبرا، مثل: تيمات الاعتراف بالحب، نظرة الحب، شراب الحب وجرعة الموت.
ثم يرفع الستار لتظهر سفينة تريستان، فارس كورنوول الأول المكلف بنقل ايزولده أميرة إيرلندة لتكون عروس عمه مارك ملك كورنوول، فتظهر ايزولده غاضبة لسماعها أغاني البحارة البريتانين يتغنون بجمال الحسناوات الايرلنديات. فتسأل وصيفتها برانغينه عن وقت الوصول، وتجيبها الأخيرة أن السفينة ستصل في المساء إلى كورنوول فتستسلم ايزولده لأفكارها اليائسة.
وفي المشهد التالي، يظهر تريستان من بعيد، ناظراً إلى البحر، وبجانبه تابعه كورنيفال فتقول ايزولده إن هذا البطل الخرافي الذي يسكن قلبه الموت تنقصه جرأة المواجهة بلا تخفٍ. وتطلب من وصيفتها إعلام تريستان أنها تأمره بالحضور لرؤيتها. ولكنه يعتذر.
تعود برانغينه لتبلغ ايزولده رفض تريستان وإهانة كورنيفال. فتتذكر ايزولده، بضعف وندم، كيف عالجت بقواها السحرية تريستان المتخفي المصاب بجروح مميتة، حتى بعد أن اكتشفت حقيقته. وكيف خارت قواها أمام نظراته الساحرة وأصيبت بالحب غير المتبادل.
وهو الآن يزفها إلى عمه العجوز. فتأمر وصيفتها بجلب علبة الجواهر ثم تأخذ منها زجاجة سم. لكن كورنيفال يدخل خيمة ايزولده لإبلاغها أنهم اقتربوا من كورنوول ويجب أن تكون جاهزة لاستقبال الملك. ولكنها تطلب منه أن يحضر تريستان للاعتذار فيخرج ويعدها أنه سيوصل الرسالة.
ويدخل تريستان إلى خيمتها فتعزف الأوركسترا موتيفة (لحن الموت). ويسألها ماذا تطلب؟ وترد أن الفارس الحقيقي يجب أن يطلب العفو والصلح من أعدائه. وتقسم بالانتقام. فيقدم لها سيفه لتقتله، إلا أنها تطلب منه أن يشرب معها كأس الصلح فيأخذ الكأس ويشربها بحذر وخضوع. ولكنها تنتزع الكأس من يده وتشربها. فتبدأ الأوركسترا بعزف تيمة الحب همساً، ثم تعلو وتتصاعد فيرتمي الاثنان كل في ذراعي الآخر.
الفصل الثاني
تشرع الأوركسترا في عزف لحن التوقع، بمستهل الفصل الثاني. وترفع الستارة لنرى حديقة قصر الملك مارك ليلاً.. تدخل إيزولده وتغني بنشوة عن تلهفها لرؤية تريستان. فتحذرها برانغينه: إن ميلوت (أحد رجال الملك مارك) يخطط للغدر من خلال رحلة الصيد. لكن إيزولده تطلب منها إطفاء المشعل إشارة لـتريستان ليقترب.
ويدخل الملك وصيادوه يقودهم ميلوت. يجابه الملك مارك تريستان ويعنفه لخيانته الصداقة: لمَ عاملني القدر بمثل هذه القساوة؟ فيستل سيفه متحدياً تريستان، الذي يقبل التحدي ويتعمد ألا يقاوم خصمه الذي يطعنه فيسقط على الأرض.
موت يسلب سعادة اللقاء
بجمل مؤثرة، يثني تريستان على وفاء كورفينال الذي قاسمه كل شيء، الفرح والعذاب وحتى الخيانة، ما عدا ألم الحب المخيف. يسرع كورفينال نحو السور ويعلن عن قدوم السفينة. فينهض تريستان، ويحاول الوقوف على قدميه. تظهر إيزولده فتعزف الأوركسترا موتيفة الحب الرائع. يرتمي تريستان بين ذراعيها. ثم يلفظ أنفاسه وهو يردد اسمها. تركع إيزولده إلى جانب جسده وتغني: إن الموت سلبها سعادة اللقاء، ثم تنهار بجانبه.



