لم يدر في خلد غابرييل تيليز حين كتب مسرحية «ماجن اشبيلية»، ونشرها باسم تيرسو دي مونيلا سنة 1630، أنه وضع نواة أسطورة خالدة. أراد أن يقدم حكاية ذات مغزى أخلاقي يدين ظاهرة التغرير بالعذارى المتفشية في عصر إسبانيا الذهبي. فابتكر شخصية دون جوان الماجنة كأمثولة للاتعاظ والاعتبار.
وإذا بهذا الماجن الفنان بإغواء النساء ينتشر بسرعة في الوسط الشعبي ثم يرتفع عالياً في فضاء الأدب ويسطع ليجذب ويفتن عدداً هائلاً من الشعراء والرواة والفلاسفة والمسرحيين والموسيقيين وعلماء النفس والاجتماع.
وكأنه ملّ من جميلات إسبانيا، أخذ يتنقل من بلد الى بلد. فأثار جدلاً صاخباً في باريس حين استقبله موليير، وطار بجناح واحد إلى الشهرة العالمية حين رحب به الشاعر الانجليزي لورد بايرون.. ثم طار بجناحين مع حماسة موزارت، وحط في إسبانيا ليصبح تقليدا شعبيا على يدي خوسيه زوريلا.
استهتار
تنقلنا المسرحية الى القرن الرابع عشر، وتعرّفنا على الشاب النبيل والجميل دون جوان الذي يستهتر بالقيم والأخلاق ولا يبالي بشيء غير إغواء النساء. ولتحقيق وطره، يجول في الأرض باحثا عن طريدة سواء أكانت أميرة أو خادمة، صغيرة أو كبيرة.
وبعدما يوقعها في أحابيله، يدير لها ظهره غير مكترث بها وبالعار الذي تجلبه إلى أسرتها بعد فقدان عذريتها. وبطيشه هذا يخلق عددا كبيرا من الحاقدين الذين يريدون قتله. وإذا صادف أحدهم، بارزه وقتله أو أمعن في الهروب.
تغطي المسرحية مغامراته الأخيرة، وتبدأ بإغواء الدوقة ايزابيلا والفلاحة بيسبا في نابولي وبهروبه الى اشبيلية حيث يضع عينيه على الحسناء دونا آنا. ينتحل شخصية صديقه ابن عمها الماركيز دي لادونا ويستعير منه رداءه ثم يدخل مقنعاً تحت جنح الليل الى حديقة منزلها. تطلب منه دونا آنا أن ينزع القناع، فيرفض فتصرخ طالبة النجدة. يسرع إليها والدها النبيل والقائد العسكري غونزالو ويبارز دون جوان الذي يقتله ويهرب.
بعد مدة، يرجع الى اشبــيلية ويمر بساحة الكنيسة، فيستوقفه تمثالان فوق ضريحين، الأول لـ غونزالو والثاني لابنته. يسخر من تمــثال غونزالو ويدعوه هازئا الى العشاء. ولذهوله يلبي التـــمثال الدعوة ويخبره بأن ساعته قد حانت. ينهار دون جوان ويتوسل المغــــفرة. يجيبه التمثال أن لا غفران للممعن في الضــــلال. كوميديا «دون جوان والوليمة مع التمثال»
تبنى موليير مسرحية تيرسو، لكنه نقلها من اشبيلية الى صقلية وكيّف شخصياتها لتلائم المجتمع الفرنسي. ونتج عن هذا اختلاف بين الدون جوانين. إذ جعله موليير صاحب فلسفة ينتقد الرياء والتظاهر الكاذب بالفضيلة والدين، ويسخر من أولئك المنافقين ويصرح علنا بأنه لا يؤمن بما يؤمنون ولا يتبع الكنيسة التي يتبعون.
والمضحك في تصريحه أنه ينتقد نفسه لأنه منافق كبير! ويكرر موليير هذه المواقف الكوميدية وخاصة في الحوار بين دون جوان وخادمه الخاص ساناريل، الذي يدافع عن الكنيسة بسذاجة تثير الضحك، ثم ينعت دون جوان بالكذب والخبث والمكر وهو رفيقه وشريكه! وعكس دون جوان تيرسو، لا يتوسل دون جوان موليير المغفرة في مشهد العشاء الأخير.
اعتلت هذه المـــسرحية منصة «مسرح الباليه الملكي» في فيراير 1665 ونُشرت تحـــت رقابة مشددة سنة 1682. يعتبرها النقاد درة في الأدب الفرنسي وقد تحولت الى كوميديا موسيـــقية لا تزال تُعرض حتى الآن واقتبستها الســــينما في عدة أفلام.
ظاهرة
تدين شخصية دون جوان بالكثير من شهرتها العالمية الى لورد بايرون الذي طورها وكساها بالسمات الفردية التي تميّزها. فبدت كظاهرة إنسانية معقدة وليس مجرد نمط فاسد ذي بعد واحد. وشكّلت قصيدته الملحمية «دون جوان» 1821، التي تتألف من 17 جزءا، نقطة تحول في استيعاب هذه الشخصية أدبيا وفنيا وعلميا.
اوبرا دون جيوفاني
احتلت هذه الاوبرا المرتبة العاشرة في لائحة أعظم الآعمال الأوبرالية في العالم التي ضمت 200 أوبرا. وضع ألحانها موزارت وكتب نصها لورانزو دابونتي الذي اعتمد على مسرحيتي تيرسو وموليير في بناء شخصية دون جوان وربطها بمذهب الحرية والإرادة الداعي الى الحرية في الفكر والعمل في القرن الثامن عشر.
دون جوان دي تينوريو
حتى هذا اليوم لم يتوقف عرض هذه المسرحية التي كتبها خوسيه زوريلا سنة 1842. إذ أصبحت تقليدا شعبيا في احتفالات عيد جميع القديسين، ويجري عرضها مرة واحدة على الأقل في الثاني من نوفمبر كل سنة في الدول التي تتكلم الإسبانية.
لم يعد دون جوان برؤية زوريلا، متغطرسا وضحل التفكير. إنه يلهث وراء النساء، لكنه لا يستطيع أن يتجنب الوقوع في حب إحداهن. يغوي، حسب الرهان مع دون لويس، الحسناء دونا آنيس التي تتعلم في الدير ولم تقسم اليمين لتصبح راهبة. ويشجعها برقيق الحديث والغزل، على أن تترك الدير وتعيش معه كزوجة في قصره الريفي. ثم يدفعه غروره الى اغتصاب خطيبة دون لويس. يغــــضب دون لويس ويتحداه الى المبارزة..
وفي الوقت نفسه، يصل والد دونا آنيس مع حراسه ليعاقبه ويُرجع ابنته. ودون أن يدري يجد دون جوان نفسه متيما بـ دونا آنيس البريئة، فيركع أمام والدها ويطلب منه أن يسامحه ثم يعلن عنه حبه الكبير لابنته ويطلب يدها منـــه. يسخر الاثنان منه ويصـــفانه بالخسيس والجبان ولا يقبلان بغير المبارزة، فيضطر الى قتل دون لويس بطلقة ومبارزة والد دونا آنيس حتى يقتله، ثم يهرب.
يعود الى اشبيلية بعد خمس سنوات ويجد قصره الريفي مقبرة، فيه ثلاثة قبور فوقها ثلاثة تماثيل لـ دونا آنيس ووالدها ودون لويس. يخاطب التماثيل الثلاثة بألم وندم ويطلب من دونا آنيس أن تسامحه. تنتهي المسرحية بموته تائباً.



