كان الأدب دائماً مصدر إلهام للأوبرا، وشكسبير أحد أهم المصادر التي ألهمت العديد من المؤلفين الموسيقيين منذ القرن السابع عشر. إذ استوحى المؤلف هنري بورسيل عمله الأوبرالي «ملكة الجنيّات» من مسرحية «حلم منتصف ليلة صيف».
كما اشتهر المؤلف الإيطالي جيوزيبي فيردي بإعجابه العميق بالدراما الشكسبيرية لما تملكه من جزالة وقوة وعمق انساني، ولكونها تحقق مفهومه عن العمل الفني الشامل، وخصوصاً أوبرا عطيل بسبب مأساويتها غير المعقدة والملائمة تماماً للمسرح الموسيقي. وهي أوبرا حاول فيردي، بتقانة أن يعكس فيها روحية النص: الغيرة والحقد والشك.
تكلم شكسبير في رائعته عطيل عن آلام الشكوك الخطيرة وصورها بالسموم التي يصعب تذوقها في البداية لكن عندما تبدأ في التسرب للدم تجعل الإنسان بلا عقل. وأعاد أريجو بواتو صياغتها لتكون نصاً مناسباً للأوبرا..
وقدمه الى العبقري فيردي الذي أنجز العمل الاوبرالي وهو في الرابعة والسبعين من عمره، بعد توقف عن الكتابة دام 16 عاماً، فعرض العمل، للمرة الأولى، في فبراير، على خشبة اوبرا لاسكالا1887، حيث قوبل بنجاح كبير وبتصفيق حاد من الجمهور.
مخطط قصة الأوبرا شديد الشبه بتراجيديا عطيل الشكسبيرية. فأحداثها تدور في أواخر القرن الخامس عشر. إذ يهدد الأتراك سيادة حكومة فينيسيا في البحر الأبيض المتوسط، حين شنوا هجوماً على جزيرة قبرص التابعة للحكم الفينيسي. فأرسل دوق فينيسيا أسطولاً بقيادة حاكم قبرص الجنرال الاستثنائي عطيل. وتتحدث الأوبرا عن الاثار السيئة للغيرة العمياء في أربعة فصول.
عاصفة الانتصار
تظهر ليلا، في الفصل الاول، خارج قلعة عطيل المطلة على البحر، سفينة عطيل وسط عاصفة قوية. أما على الشاطئ فكان حشد كبير من الناس ينظرون بقلق وخوف الى السفينة. وتفتتح الجوقة والأوركسترا الاوبرا بتوتر معبرة عن الخوف من تحطم السفينة في العاصفة، لكن الخوف يزول بظهور عطيل على الشاطئ، يتبعه الجنود معلنا انتصاره الساحق على الأتراك. فيهلل الحشد ويغني مبتهجاً بالنصر.
وفي المشهد التالي، نرى ياغو تابع عطيل يتحدث متظاهرا بالصداقة مع رودريغو.
المكيدة الأولى
تغني الجوقة أغنية النصر. فيتجمع الجنود للاحتفال ومعهم ياغو ورودريغو وكاسيو، ويشاركونهم الشراب.
وبعدها يمهد ياغو لإثارة غيظ رودريغو وحقده على كاسيو، فيحثه على قتال كاسيو الذي أصبح أكثر صخباً ومشاكسة، ليخلق ذلك اضطراباً يوقظ عطيل، فيتحدى رودريغو كاسيو للقتال ضاحكاً في وجهه. يطلب ياغو من رودريغو أن يطلق بوق النذير.
ويظهر عطيل مطالبا بتفسير للقتال.
ونشاهد عطيل وديزديمونة وحدهما يغنيان ثنائي حب رقيق «Gia nella notta ».. ويسدل الستار مع دخول العاشقين الى القلعة.
يستمر ياغو ببث سمومه فيقول لكاسيو إن ديزديمونة تكون في الحديقة ظهراً، وهذه فرصة ليحثها على عرض قضيته أمام عطيل ليرجعه الى الخدمة.. ويدخل كاسيو الحديقة لينتظر ديزديمونة. ويدخل عطيل فيتظاهر ياغو أن شيئاً ما يقلقه. يسأله عطيل عن السبب. يراوغ ياغو في الإجابة لكنه يوحي بأن لديزديمونة علاقة مشبوهة بكاسيو. ثم يشعر عطيل بالغيرة. لكنه يطلب الدليل المادي فيجيب ياغو بأنه سيقدمه له.
تنقل ديزديمونة رجاء كاسيو الى عطيل الذي يجيبها بجفاء إنه لا يريد الكلام بسبب معاناته من الصداع.
عطيل يغني موتيف الشك، معبّراً عن شكّه في إخلاص ديزديمونة له ثم يتهم ياغو بأنه السبب في إثارة شكوكه، وفي لحن مؤثر يقول: الوداع للطمأنينة وللشهرة.
ويتظاهر ياغو بتهدئة مشاعر عطيل الذي يندفع نحو ياغو، مطالباً إياه بتقديم برهان على اتهاماته فيخبره بأنه سمع كاسيو يدمدم وهو نائم عبارات حبه لديزديمونة. ثم يقول انه رأى منديل ديزديمونة في يد كاسيو فيخرج عطيل عن طوره، ويجثو على ركبتيه رافعاً ذراعيه نحو السماء، ويقسم على الثأر.
دليل الخيانة
بعد مقدمة أوركسترالية قصيرة ترتفع الستارة في الفصل الثالث، فنرى عطيل وياغو في غرفة العرش ونسمع ياغو يتحدث عن دليل العلاقة المحرمة بين ديزديمونة وكاسيو، ويعد عطيل بإحضار كاسيو والحديث إليه، بينما يكون عطيل مختبئاً ليسمع الحوار.
تدخل ديزديمونة وتعيد الى زوجها رجاءها أن يرجع كاسيو الى وظيفته. يجيبها بأنه لا يزال يشكو من الصداع، ويسألها أن تربط ذلك المنديل حول رأسه فتقول إنها فقدته. فيؤمن بأن زوجته تخونه فيغني متحسراً على قدره، ويدعو زوجته بالمخادعة. فتجثو على ركبتيها مؤكدة حبها الطاهر له في أغنية. لكن عطيل يبعدها بقسوة.
يصرخ ياغو فور وصول كاسيو فيختبئ عطيل. يدخل ياغو وكاسيو فيطلب ياغو من كاسيو سرد قصصه العاطفية مع تلك المرأة.
يبلغ ياغو عطيل الغاضب، أن الليلة وقت ثأره وانه كلف صديقه رودريغو بقتل كاسيو الخائن. وتُسمع من خارج القلعة صيحات الناس مهللة لعطيل. يشير ياغو إلى عطيل المتمدد على الأرض ويغني بغطرسة وشماتة: انظروا الى السبع. وتسدل الستارة.
صلاة ديزديمونة
بعد تمهيد أوركسترالي قصير ترتفع الستارة عن غرفة نوم ديزديمونة، في الفصل الرابع، وهي تجلس أمام المرآة وتطلب الى اميليا أن تأتي إليها بفستان زفافها وتخبرها بأنها تريد ان تدفن فيه. . ثم ترتجف بفعل هاجس الموت فتجثو أمام المَركَعة وتطلق صلاتها ملحونة.
يدخل عطيل ويقبلها ثلاث مرات فتصحو. يتهمها بالخيانة وبأنه على وشك قتلها. تنكر ذلك. يقول لها إن كاسيو لقي حتفه فتطلب منه الرحمة وتقول ان خطأها الوحيد حب عطيل.
ظهور الحقيقة
يتلاشى ضجيج الأوركسترا، لتحلّ محله أكوردات قاتمة، تندفع إميليا إلى الداخل وتقول ان كاسيو قتل رودريغو، وان كاسيو لا يزال حيا. تتحرك ديزديمونة وهي تعاني سكرات الموت.
وتقول إنها تموت بريئة. يغني عطيل وكأنه يخاطب نفسه، بأن هذه اللحظة ستختم مصيره. ثم يستل خنجراً ويطعن نفسه. ويشرع يغني أبيات شكسبير الخالدة: قبل أن أقتلك قبلتك وقتلت نفسي لأموت على قبلتك. ثم يغني «قبلة، وأيضاً قبلة،». يسقط بعدها ميتاً فوق جسد ديزديمونة وتسدل الستارة ببطء.
في السينما
1952
قدمت مأساة عطيل في الكثير من الأفلام، بينها فيلم (عطيل)، من اخراج وبطولة اورسن ويلز.
1995
قدم المخرج الأميركي اوليفيه باركر، فيلم (عطيل) برؤية حديثة متميزة.
2001
فيلم (عطيل) للمخرج الانجليزي جيفري ساكس.
1986
نسخة الأوبرا السينمائية الجميلة للعمل، أخرجها الإيطالي الشهير فرانكو زيفريللي.
في التشكيل
1820
يوجد في الفنون التشكيلية الكثير من اللوحات التي صورت مأساة عطيل، مثل لوحة الرسام الإنجليزي توماس ستوزارد.



