«جون».. رواية جعلت لندن تقرأ وتتأمل

حافل التاريخ بالشخصيات النسائية التي صنعت الأمجاد، وحافل الأدب بالنساء اللواتي أعطين الأمجاد إشراقا حين غابت شموسها. لكن، ولا واحدة، سواء في التاريخ أو الأدب، نشأت يتيمة محرومة ومقهورة إلا سندريلا وتوأمها جين ابر. وشتان ما بينهما! إذ التصقت الأولى بذاكرة الطفولة وسكنت، والثانية «جون اير»، لا تزال تواجهنا بقوة، تعلو مثل الشهاب .

وتقول الكثير. رائعة لم يغب بريقها بحق، وكما قالت عنها ابنة الأديب ثاكيري، جعلت لندن تتحدث.. تقرأ وتتأمل. كذلك، فإنها أحدثت تغييرا شاملا في الفن الروائي، واعتبرها النقاد سابقة عصرها.. ووصفوا مؤلفتها، شارلوت برونتي (1816-1855) بسلف جيمس جويس ومارسيل بروست، وأول مؤرخ للمشاعر الإنسانية والتخاطر الذاتي.

في الغرفة الحمراء

تبلغ الطفلة اليتيمة جين اير سنتها العاشرة وهي تعاني من قسوة زوجة خالها سارة، التي تنعتها بالكذب والاحتيال وتؤلب أولادها جون واليزا وجورجينا عليها. فيعاملونها كالخادمة ويحرمونها الانضمام اليهم ومشاركتهم أنشطتهم.

فتلوذ بزاوية هادئة بعيدة عنهم وتسلي نفسها بالمطالعة والرسم. يضبطها جون الشرس، 14 سنة، تقرأ كتابا عن الطيور قرب نافذة غرفة الطعام، فيسخر منها ويهينها، ثم ينتزع الكتاب منها ويضربها به حين تنسحب، فتسقط على الأرض ويصطدم رأسها بالباب. فتسرع ريد مع الخادمتين، بيسي وأبوت،..

وتعاقبها على ما فعلت بحبسها في الغرفة الحمراء المهجورة التي مات فيها خالها. تنهار جين في الغرفة حين يتراءى لها طيف خالها المتوفى، فترتعد فرائصها وتركض إلى باب الغرفة وهي تزعق وتولول طالبة الرحمة. تخاف عليها الخادمتان، لكن ريد تصر على حبسها ساعة أخرى.

في مدرسة لووود

تفتح جين عينيها في سريرها والصيدلي ليود يفحصها. تشفق عليها الخادمة بيسي وتحضر لها في اليوم التالي كعكعة بالفواكه وكتاب «رحلات غوليفر». وبالصدفة، تعرف من الحديث عنها بين بيسي والآنسة أبوت أن والديها ماتا بمرض التيفوئيد وعمرها سنة واحدة، فتولى خالها السيد ريد رعايتها وأوصى زوجته بها قبل موته. يقترح الصيدلي في الزيارة الثانية إرسال جين الى المدرسة..

فترحب السيدة ريد بعرضه وتدعو السيد بروكل هيرست لزيارتها، وهو راعي المدرسة الداخلية للبنات اليتامى في «لووود» التي يموّلها أهل الخير. فيوافق على الفور معها، على أن جين كاذبة ومحتالة وتحتاج إلى التربية المسيحية الصارمة.

ترحل جين الى تلك المدرسة، وتجدها أسوأ من المنزل الذي غادرته. المعلمات قاسيات ومعقدات مثل زوجة خالها، الطعام رديء، الغرف باردة جدا، اللباس رث والأحذية خشنة.

تستأنس برفقة الطالبة الرقيقة هيلين بيرنز التي تتعمد المعلمة سكاتش هيرد إهانتها في كل مناسبة، وترتاح للمشرفة العطوفة: الآنسة تمبل. ينتشر داء التيفوئيد في المدرسة وتموت هيلين بين يديها. تبكي عليها بكاء مرا، لكنها لا تيأس.

تصبر وتجتهد حتى تكمل دراستها وتصبح معلمة بعد ست سنوات. وعندما تتزوج الآنسة تمبل وتغادر المدرسة، تبحث عن عمل وتضع إعلانا في صحيفة «هيرالد»، فيصلها جواب من السيدة فيرفاكس في ثورن فيلد البعيدة.

الحب في ثورن فيلد

تستلم جين عملها الجديد وهو تعليم ابنة سيد المنزل بالتبني، أديل فارنيز، التي تتكلم الفرنسية. بعد ثلاثة شهور يعود سيد المنزل ادوارد فيرفاكس روشيستر من فرنسا، ويتغير جو المنزل الممل. تجده جافا وباردا وميالا الى السيطرة، لكن حنانه على الطفلة اليتيمة أديل يجذبها اليه. في أحد الأيام، يخبرها من غير تحفظ أن أديل ابنة خليلته الفرنسية سيلين فارنيز التي ماتت، فأحضر الطفلة اليتيمة مع مربيتها صوفي الى ثورن فيلد.

السراب

تغادر جين ثورن فيلد لزيارة زوجة خالها المريضة التي تطلب رؤيتها. تعرض عليها جين المصالحة، فترفضها. وقبل موتها تخبر جين أن عمها جون اير يبحث عنها.

تعود الى ثورن فيلد مكتئبة ويستقبلها ادوارد بحرارة بالغة. تشكره وتلاحظ أنه مهتم بها أكثر مما مضى. وعندما تخرج في الليل حزينة وحائرة وتتمشى في الحقل، تسمع صوته يناديها ثم يرافقها في مشوارها. وتحت شجرة الكستناء، يطلب موافقتها على الزواج. فتجفل وتسحب يدها من يده. يتوسل اليها أن توافق، فتحدق بوجهه غير مصدقة.

ينفق ادوارد بإسراف على ترتيبات الزواج ويشتري لعروسه أفخم الملابس. لكن جين الفقيرة تستاء من تبذيره وتفضّل الثياب البسيطة. وحين تبدأ مراسم الزفاف في الكنيسة، يظهر المحامي السيد بريغز ويعظها.

الثرية

في صباح اليوم التالي، تركب جين أول عربة وتهرب من ثورن فيلد وتنزل في أبعد محطة في «وايت روز». ولاحقا، تعود الى ثورن فيلد، وتجد المنزل دمارا بعد أن أكلته النيران. تستأجر جين عربة صغيرة بحصانين وتقودها الى فيرندين. ترى عن بعد رجلا أعمى وبيد واحدة يتلمس الباب ليخرج. بعد ثلاثة أيام، تتزوجه وتسكن معه ثم تنجب طفلا.

بعد عشر سنوات من الحياة السعيدة، يستعيد ادوارد النظر في عين واحدة ويستطيع أن يرى ابنهما.

المؤلفة والرواية

نُشرت هذه الرواية سنة 1847 وجعلت، كما قالت ابنة الأديب ثاكيري، لندن تتحدث، تقرأ وتتأمل. فقد أحدثت تغييرا شاملا في الفن الروائي، واعتبرها النقاد سابقة لعصرها.. وسموا شارلوت برونتي بسلف جيمس جويس ومارسيل بروست، وأول مؤرخ للمشاعر الإنسانية والتخاطر الذاتي.

استمدت شارلوت برونتي وقائع روايتها من بعض تجاربها الشخصية، إذ عملت مربية للأطفال وترعرت في كنف كاهن متشدد يحث أولاده السبعة على الاقتداء بالأتقياء، الذين زهدوا بالدنيا لأجل الآخرة. توفيت والدتها وعمرها خمس سنوات، وأشرفت خالتها العانس على تربيتها. وبسبب ضيق اليد، أرسلها والدها مع أخواتها ماريا وآنا واميلي، الى «مدرسة بنات القساوسة» الداخلية، التي تعتمد على التبرعات الخيرية.

لكن المدرسة كانت مهملة.. الطعام سيئ والغرف رطبة والأنشطة منهكة في البرد القارس. أصيبت ماريا وآنا بالسل وماتتا، فسحب الأب شارلوت واميلي من المدرسة، وتولت خالتها تعليمهما في غرفتها.

في مثل هذا الجو من الحزن والفقر والقهر، وضعت شارلوت برونتي، جين اير وتركتها تكشف بعفويتها عن عيوب ومسالب المجتمع الانجليزي في القرن التاسع عشر.

أدب يكشف نقائص المجتمع

أبرز العيوب التي كشفتها وحكتها الرواية، سحق شخصيات التلاميذ في المدارس الخيرية، بدلا من بنائها.

تعليقات

تعليقات