شهد النصف الثاني من القرن الثامن عشر، صراعاً مريراً بين الإقطاع والبرجوازية، كانت ذروته الثورة الفرنسية التي حملت أفكار الحرية والعدالة والمساواة.. ولودفيغ فان بيتهوفن نتاج هذا العصر من الناحية الفكرية والفلسفية والسياسية والاجتماعية.

إذ تركت أفكار الثورة الفرنسية أثرها البالغ على ثقافة بيتهوفن وتفكيره. فنحن نرى وندرك كم أثرت شخصيات، مثل غوته وشيللر وبروميثيوس (سارق النار من الآلهة) في فكر وروح بيتهوفن. وهكذا فإننا نجد السيمفونية البطولية لبيتهوفن، خير معبر عن ماهية الصراع النبيل الملتزم بقضية إنسانية رفيعة.

كانت أعمال بيتهوفن منذ السيمفونية الأولى والثانية، كبنية هندسية ومضمون فكري، متأثرة بشكل كبير بأعمال هايدن، ولكن بيتهوفن استطاع، ابتداء من السيمفونية الثالثة، أن يرسم لنفسه الشكل الخاص به، وبدأت أعماله منذ هذه السيمفونية في إعطاء أبعاد جديدة وتوسيع آفاق للعمل السيمفوني.

فالسيمفونية الثالثة من أهم الأعمال الموسيقية في الفترة الكلاسيكية، وهي عمل مؤثر في جميع الفنون ونقطة تحول في تاريخ الكتابة السيمفونية.

إذ إنها أول سيمفونية أيديولوجية في تاريخ الموسيقى وأول عمل سيمفوني ظهرت فيه بوادر وعلامات المدرسة الرومانسية. فعلى الرغم من عزلة بيتهوفن الروحية ويأسه وانطوائيته الا انه كان منصهراً ومشاركاً في الصراع الدائر بين قوى التقدّم وقوى التخلّف ومؤمناً بالشعارات التي أطلقتها الثورة الفرنسية (الحرّية والعدالة والمساواة)، ذاك لأنه أدرك ضرورة مساندة الأفكار الإنسانية المحضة، بكل الأشكال الممكنة.

كان بيتهوفن متحمّساً للديمقراطية والأفكار الإنسانية. فرأى في نابليون بونابرت حاكماً عادلاً ورمزاً لقوة تسحق الظلم. فشرع في نهاية عام 1802 كتابة السيمفونية الثالثة، مصنف رقم 55، وأنهاها في بداية عام 1804.

ومن ثم أهداها إلى نابليون كنموذج للبطل النبيل الذي أظهر فيما بعد وجهه الحقيقي ونصب نفسه إمبراطورا.. وعيّن أشقاءه ملوكاً على عروش أوروبا وتناسى مبادئ الثورة الفرنسية، فانقلب إعجاب بيتهوفن به إلى سخط وكراهية. وهكذا شطب الإهداء الموجه إلى بونابرت وأهداها إلى ذكرى رجل عظيم وأطلق عليها اسم (البطولية Eroica).

حملت هذه السيمفونية الكثير من التجديد على الكثير من الصعد وفي شتى الجوانب، على الرغم من شكلها الكلاسيكي كسيمفونية فهي عمل رئيسي في تاريخ الفن لعدد من الأسباب. فهي أطول بمرتين من الأعمال السيمفونية المعتادة لموزارت أو هايدن.

فالحركة الأولى وحدها كواحدة من السمفونيات الكلاسيكية، ومع ذلك استهجنها النقاد الموسيقيون عندما قدمت للمرة الأولى إذ إنها كانت بعيدة عن الأسلوب السيمفوني التقليدي عند موزرات وهايدن. فبنيتها الدرامية تحمل الكثير من التقلبات المفاجئة وزخماً عاطفياً جياشاً وتنوعاً في النسيج اللحني المتداخل. وهذه الأشياء كانت بداية الانتقال إلى مدرسة جديدة في الموسيقى الا وهي المدرسة الرومانسية.

الصراع نحو البطولة

الحركة الأولى من السيمفونية الثالثة تعتبر من اهم ما كتب في الموسيقى السيمفونية الكلاسيكية. فهي مليئة بالحياة مع تكامل في وحدة الشكل والموضوع. اللحن الافتتاحي شديد الشبه بأسلوب موزارت، إذ صاغه على قالب السوناتا.

فيبدأ بلحن بسيط مكون من ثلاث اكوردات من سلم مي بيمول الكبير، لا تطريب فيه الا ان عبقرية بيتهوفن في بناء اللحن والتصرف فيه نابعة من احاسيس عميقة تحوله إلى لحن بطولي انساني فتبدأ آلات التشيلو اللحن الأول حتى تنهيه الكمانات. ثم يقدم عنصراً جديداً بأن يبدأ لحناً جديداً بدلاً من العمل على تكرار الألحان السابقة.

ثم ينتقل إلى عرض المجموعة اللحنية الثانية، وذلك الاختلاف اللحني الإيقاعي يسمى لحن الانتقال من مجموعة الألحان الأولى إلى المجموعة الثانية المعبرة، ثم قسم التفاعل او التنمية الذي يحمل تطوراً هائلا في تلك السيمفونية، وفي تطور الموسيقى.

فإذا ما انتهى من قسم التفاعل وأضاف إليها لحنا جديدا، يعود إلى ألحانه الأساسية لتقدم آلة الهورن لحناً هادئاً. ثم يعود إلى اللحن الأساسي الأول فتندفع وراءه آلات الاوركسترا وتعيد ألحان العرض، وتنتهي الحركة بخاتمة تعتبر عرضاً جديداً يختتم به بيتهوفن اهم الحركات في تاريخ التأليف السيمفوني.

وداع

الحركة الثانية حركة مارش.. بطيئة جنائزية اشتهرت بالحزن الشديد. تستخدم كثيرا في الأعمال الفنية للتدليل على الحزن والموت.

بناء عجيب يقوم على لحنين أو ثلاثة دمجها بيتهوفن للتدليل بسخرية على موت البطولة بيد السلطة والشهوات، حيث يحمل الجسد البطل إلى مثواه الأخير وقرب النهاية يعود المارش متقطعاً حزيناً نسمع فيه اوتار الكونترباص يرتفع بعدها صوت النحيب من آلات النفخ في ضجة ووداع للبطل الراحل. وهو ذكاء كبير من جانب مؤلف عبقري كبيتهوفن، أن لا ينهي السيمفونية بهذه الحركة كي لا تكون الكلمة الأخيرة للحزن والمعاناة، بل للأمل القادم.

الحركة الثالثة

حركة قصيرة مبنية على قالب رقصة المينويت الأنيقة السريعة، التي تحمل نداءات استغاثة من الآلات النحاسية. لذلك فضل بيتهوفن وضع تسمية سكيرتسو الساخر ذي البعد الدرامي، بدل المينويت الراقص، حيث نفاجأ بلحن غاضب عنيف ثم يأتي قسم التريو بألحان تعزفها الهورنات، مبتهجة. ثم يعود اللحن الغاضب وتختتم الحركة على صوت الطبول الكبيرة.

الحركة الرابعة

كما في الحركة الأولى، لم يلتزم بيتهوفن بالصياغة الموسيقية المعتادة فنجد أنه قدم لنا مادة عبارة عن تنويعات وضع فيها بيتهوفن كل تقنياته الموسيقية فنسمع لحناً يصور بروميثيوس محرر البشرية: لحن يصور البطولة بمعناها الشامل.. والبشرية التي تكابد الصعاب في سبيل المثل العليا وتحرير البشر من العبودية.

وهكذا تقف هذه السيمفونية كأثر رائع وصورة صادقة لموسيقي عبقري، حيث إن بيتهوفن استطاع ان يحقق التوازن الأفضل والأمثل في موسيقاه، بين الضغط العمودي الذي يظهر في اتقانه الهائل للشكل الموسيقي. وبين التدفق الأفقي اللحني. ومن ناحية أخرى نجد أن بيتهوفن في هذه السيمفونية لم يصور اهداف الثورة الفرنسية فحسب، بل ثار على العصر الموسيقي الكلاسيكي وعلى أهم مؤلفيه: هايدن وموزارت وفيبر.