«حديقــة بادالبور» الصراحة تنافس الجرأة

صورة

إن أهم ما يميز رواية «حديقة بادالبور» استنادها إلى الواقع، وأن مؤلفتها كينيزي مراد هي بطلتها «زهر». والرواية تستمد روعتها من صراحة وجرأة مؤلـّـفتها، فبعد أن أدركت ما يدور حولها وهي تعيش في فرنسا وحيدة تتبناها أسرة بعد أخرى حتى تبيّن لها أنـّـها تنتمي إلى عالـَـم آخر نابع من جذورها التي تمتد إلى سلاطين آل عثمان الـ36 من جهة الأم، وإلى الهندي راجا حسين بادالبور، ولكنـّـها عُمّدت في الكنيسة.

ولهذا كتبت عن نفسها تقول: «نشأتْ في الغرب وتجهلْ عادات الشرق». ونتبين في حبكة الرواية، كيف تتنافس ثيمتا الصراحة والجرأة في حياة بعضنا.

صدرت«حديقة بادالبور» لكينيزي مراد سنة 1998 . وتمتلئ صفحاتها بالأحداث والتفاصيل التي عاشتها بطلتها. فأمّها سلمى الأميرة العثمانية التي ولدت ابنتها في باريس بعد أن هربت من زوجها في الهند وهي حامل. ثم خططت لألا تعود زهر إلى أبيها البيولوجي والذي سُميّ بالرواية باسم «أمير».

فزورت تاريخ ميلاد ابنتها كي لا يتوافق مولدها مع حملها من زوجها، وادّعت أنـّـها ابنة لرجل أميركي أقامت علاقات عاطفية معه، مضحية بسمعتها قبل أن تموت شابّة لكي تحرم الأب الحقيقي من ابنته رغم أنّ الأب كان يحبها حبا جمّا.

حالة استثنائية

وبعد 21 سنة من حياة زهر في فرنسا تمكن والدها بمساعدة من رفيقه في الكفاح لتحرير الهند جواهر لال نهرو من العثور عليها ودعوتها لزيارته في الهند، وبعد اللقاء الأول في المطار اصطحبها والدها مباشرة للقاء جواهر لال نهرو تعبيرا عن امتنانه لمساعدته لهما.

تحدثت زهر عن نفسها قائلة: «لقد قضيتُ طفولتي كلـّـها في أنـّـني حالة استثنائية، شعرتُ لأمد طويل أنّ هذه الحالة هي ما يهم الناس وأنـّـني أنا نفسي غير موجودة».

درست علم الاجتماع وعلم النفس في السوربون قبل توجهها إلى الهند لملاقاة والدها الذي أحبـها وليكتشف فيها أنـّـها تشبهه خلقا وتحمل الكثير من أفكاره. فزهر تشبه والدها بالجبين العالي وبالحاجبيَن المقوّسين والأنف المعقوف وغمازة الذقن. كما تشبهه في شخصيته الثورية. وزهر افترست بعينيها أباها مذهولة ومعجبة في لقائها الأول معه، بهدوئه المسيطر.

«اذهبي واجلسي مع النساء!» هكذا جاءها الأمر الأول في بيت أبيها مع قدوم أول الضيوف، نظرت إليه مذهولة، فهي تعلم علم اليقين أنـّـها لم ترتكب خطأ ما، خاصة وأنـّـه اليوم الأول، بل الساعات الأولى على لقائهما. لكنـّـها فيما بعد اكتشفت شيئا فشيئا في المجتمع الهندي، أنّ ثمة قانونا للسلوك، قاسيا يُعبّر عن رغبة نفسية عميقة يصوغ كل العلاقات بين النساء والرجال.

تقاليد وتحرر وسجن

واكتشفت زهر مع ذلك أنّ الاستعمار الإنجليزي الذي رحل، لا تزال آثاره باقية.

كان على زهر أن تتعرّف على إخوتها الثلاثة مظفـّر ومانجو ونديم وكذلك على أمّهم، زوجة أبيها الراني شاهناز. وزهر نفسها التي عاشت في فرنسا المتحررة لأكثر من عشرين سنة، الطالبة اليسارية التي لا تفعل إلا ما في رأسها، وبعد أن عاشت قليلا بين أفراد أسرتها ووسط المجتمع الهندي الذي يكاد يكون خارجا من القرون الوسطى، زهر نفسها، خضعت للتقاليد: «وقبلتُ منذ وصولي أن أعيش حبيسة كراهبة ...».

والراجا نفسه بذل جهدا لتسلية ابنته، أخذها لرؤية أصدقائه القدامى من المثقـّـفين الهندوس والمسلمين والمسيحيين خاصة في منطقة لوكنو، المكان الذي عاش فيه الراجا مع أمّها حيث حدائق بادالبور العائدة ملكيتها له وعليه إثبات ملكيتها مجددا أمام المحاكم على الرغم مما يمتلكه من نفوذ في هند جديدة، حيث قصوره الخمسة المهملة والغائصة بالصمت.. وهناك أدار حوارات في السياسة والتاريخ والفلسفة.

لوكنو المكان الذي أحبته أمّها يوما وأنشأت فيه حديقتها الخاصة المسماة بـسلطان باغ «حديقة السلطانة» .. تلك الحديقة التي أحبتها زهر منذ اليوم الأول كذكرى جميلة من أمّها.

أحلام

كانت زهر تحلم بحياة العذوبة والاسترخاء في ظِل أبيها في الهند، ومع ذلك فـُرض عليها أن تبقى سجينة تنظر أمامها إلى الحياة وهي تمر! فليس لها حق في أن تخرج إلى السوق إلا برفقة أتباعها من النساء اللواتي يحرصن على تسوية غطائها كلما انزلق عن رأسها.

فالأب لا يُريد أن يـُـقال إنّ ابنته فاسقة، أو إنـّـها في باريس تصرّفت على هواها، وصدمتها مثل هذه الأفكار التي رفضت أن تتوقف عندها طويلا، فباريس الخمسينيات والستينيات حيث كل شيء يتغير وحيث سارتر وفرويد يحكمان الفكر، هناك حيث عاشت حياة الحرية والتحرر، ولا تزال ذكرى مينيشال حاضرة، إذ عاشت معه كزوجة حقيقية في فرنسا قرابة السنة حتى حدّثت نفسها : «آه لو كانوا يعلمون!» وهي أخيرا كانت على قناعة من صدى الصوت المنطلق من أعماقها: «لستِ أنتِ من يهتم بكِ بل بشرفه».

والراجا المعتد والمهتم بشرفه بقوّة هو نفسه من اعتقدت زهر بأنـّـه ضمّها نحوه بقوّة واقترب منها وشعرت بشيء يضغط على بطنها وهي ممددة بجانبه بحركة فهمتها بخوف واستنكار شنيع وقالت عنها: «صرخة استفظاع صامتة مزقت صدرها وتجمـّـد الكون في عينيها. تخلـّصت منه صامتة بينما هو استدار نحو الطرف الآخر من السرير متظاهرا بالنوم.» لتتيقن بعدها أنّ كل شيء بينهما انتهى.

فهي اعتقدت جازمة أنـّـه بهذه الحركة يرفضها ابنة له، كيف لا وهي التي درست فرويد القائل: «إنّ العلاقة الأكثر وثوقا في العالـَـم هي العلاقة بين الأب وابنته». وبَنت عليها بين أن تعيش كما يُريد أو الرحيل ففضلت الخيار الأخير.

لا خجل

وفيما بعد، حين وجدت أباها يتودد إليها ويحاول استرضاءها وهو يسرّي عنها حدّثت نفسها: «يجب أن أخجل لاستمراري في خلق الأفكار. أنا واثقة من أنـّـه آسف على لحظة ضعفه. يجب أن أثق به وأن أكون ابنته من جديد».

وباتت تحدّث نفسها مع أول انفراجة في تحسن علاقتهما حين دعاها لجولة على ظهور الجياد، حدّثت نفسها مسرورة: «إنـّـها سليلة قبائل رحّـل، تركية وعربية فتحوا على صهوات جيادهم نصف العالـَـم». فشعرت، وإن بطريقة مضحكة، أنّ عليها أن تعيد ارتباطها بهويتها المفقودة.

ولكن طيف الأفكار التي خلقتها جعلتها تـُبقي على مسافة كافية بينها وبين أبيها، ومع إصرارها على الرحيل إلى فرنسا بحجة متابعة تسجيلها الجامعي أرادت أن تـُبقي على مسافة مكانية بالبعد وعلى مسافة زمنية امتدت لعشرين سنة متواصلة. ولأنّ زهر أرادت أن تنسى فقد رمت نفسها باندفاع في النضال السياسي من خلال عملها كصحافية.

حين عادت لزيارة أبيها ثانية، وجدت هناك رجلا مسنـّا، حزينا. زوجته الراني شاهناز ماتت. أخوها مظفر تزوج للمرّة الثانية ويعيش في مومباي. ونديم رحل مع زوجته وطفله ليمارس مهنة الطب في انكلترا، وهناك حرق المراحل وانتحر لانكشاف استيلائه على الأدوية التي كان يهرّبها للمعوزين في الهند مجانا. أمّا أخوها مانجو فكان يعيش عالـَـمه الموحّد والخاص من الجنون.

عطفت على أبيها، وشعرت أنـّـها ستكون قاسية جدا إذا سحقته باتهاماتها. أمّا هو الذي بات المسؤول الأول عن عزلته، وحين وزع التركة نسى زهر، شعرت بالمرارة لأنـّـها بدت كمنبوذة، وحين ذكّرته بأنـّـها الأقرب شبها به، ارتبكَ وقال: «أنا آسف.

ولكن جدّي راجا بادالبور ترك وصية ذكر فيها أنّ نساء العائلة ليس لهن الحق بالإرث، وأنا لا أستطيع معصية إرادته الأخيرة». ولكنـّـه استدرك وقال: قررتُ أن أعطيكِ حديقة السلطانة التي طالما أحبتها أمّـكِ .

وخلال احتضار أبيها حضرت زهر لعيادته، قالت لها عمّـتها زهرة: انتظركِ ليموت. وبعد فترة عادت لزيارة قبره وشريط الذكريات يلاحقها، وهناك شاهدت الهند التي أرادها غاندي بلاد اللاعنف، شاهدت كيف استولى الهندوس بالعنف على مسجد بابور وهدّموه ليبنوا مكانه معبدهم وهم ينشدون: جهد آخر جهد قليل، عمّا قليل لن يكون هناك مسجد، وسننتقم لراما!

استولى مظفر على ممتلكات العائلة، وكان على زهر أن تقاتل بضراوة للفوز بحديقة السلطانة، وحين حصلت عليها أهدتها لبنات أخيها المنتحر نديم. في ظِل هذا الصراع القاسي والعبثي أحيانا، فهمت زهر من خلال بحثها عن هويتها بأنّ الهوية العميقة هي بكل بساطة أن تكون إنسانا متسامحا ومنفتحا على العالـَـم ومتحدا مع الأشياء من حولك لأنّ الناس جميعهم من منبت واحد.

تعليقات

تعليقات