جاك لندن (1876 ـ 1916) روائي أميركي لا يمكن نسيانه بعد قراءة أي من رواياته، فضلاً عن أن شخصيته جدلية، وسرت هذه الخصلة لأهم رواياته «العقب الحديدية»، فما إن تتعمق فيها حتى تكتشف أميركا مجدداً، ولكن قبل قرن من الوقت الحالي! وحين تعقد مقارنة بين أميركا بالأمس وأميركا اليوم تجد أنها لم تتغير، وإذا كان هناك تغيّر ملموس يجب أن يُذكر فهو اليوم نحو الأسوأ. وفي وجه عام فإن الرواية تصوير أدبي لحال أميركا اقتصاديا آنذاك.
حياة جاك لندن القصيرة ـ 40 سنة ـ جدلية أخرى، فمن قائل أنه انتحر، ومن قائل أنه قـُتل مسموما، وهكذا تستمر جدليته في حياته ومماته.
كان زوج أمه الذي عاش جاك في كنفه كاهنا يمتهن التنجيم وقراءة الغيب، أما جاك نفسه فامتهن مهنا متعددة، منها ما صقل شخصيته ومنها ما ساعده في أن يصبح روائيا مبدعا، فهو صحافي وعامل منجم بسيط وقبطان سفينة، قال عن نفسه مرة، وأنا في العاشرة من العمر صرت أبيع الجرائد في الشوارع وكنت أعطي كل النقود للأسرة، وفي كل مرة أذهب فيها إلى المدرسة كنت أخجل من قبعتي ولباسي وحذائي المهترئ، كنت أنهض في الثالثة صباحاً لكي أستلم الجرائد وبعد بيعها أتوجه مباشرة إلى المدرسة وبعد المدرسة أعود لأبيع جرائد المساء.
كما مارس أعمالا مشبوهة، وقال عنها، إنها أعمال متوحشة وحرة . فبعد أن انتمى إلى «جيش كيللي» كجندي اعتقل وسجن بتهمة التشرد، ووصف ملحمة التشرد في ما بعد بمجموعته القصصية «الطريق» سنة 1910. ثقـّف نفسه وتمكن من الانتساب للجامعة، غير انه تركها لأسباب مادية.
تجربة ثرية
كانت رحلة جاك لندن إلى منطقة «كلوندايك» الغنية بالذهب في شمال غرب كندا في فترة حمى البحث عن الذهب نهاية القرن التاسع عشر، قد منحته التجربة الثرية لكتابة واحدة من أروع رواياته بعنوان «نداء البراري». كما تأثر من رحلته في منطقة ألاسكا وحياة الهنود الحمر ليبدع مجموعة من المؤلفات بعد أن شفي من مرض الإسقربوط أهمها مجاميعه القصصية «ابن الذئب» 1900، «إله آبائه» 1901، «أطفال الصقيع» 1902، «وفاء الرجال» 1904، « الذئب البحري » 1904. وتمتاز هذه الفترة بأنها أسست لجاك مكانته الأدبية، وحسنت أوضاعه المادية وتوجها بروايته «العقب الحديدية» 1908، وهي فترة تعرض فيها جاك لندن لمحاولة تسميمه والتخلص منه سنة 1906.
الأوضاع الاقتصادية التي عاشتها أميركا قبل أكثر من قرن من الوقت الحالي، لخصها جاك لندن في روايته «العقب الحديدية »، وسلط فيها الأضواء على ذلك الصراع الشرس بين أرباب رأس المال وبين العمال الذين كانوا يجهدون للحصول على الخبز والعدالة، خاصة وأن حياة جاك لندن نفسها كانت مدمرة بسبب الفقر المدقع والمزمن ومشدودة بالتبعية الشاقة للأجور، حتى انه توقف عن القراءة وعن أي نشاط أدبي، وشارك بعد خروجه من السجن سنة 1895 في المسيرة العظيمة التي قادها حشد من العاطلين نحو واشنطن بعد أن اقترب من صفوف حزب العمال الاشتراكي وأصبح داعية له، وأوجد لنفسه سيرة ذاتية من خلال بطل روايته «العقب الحديدية».
وهي الرواية التي وصفها البعض بأنها «رومانسية الكفاح الثوري ضد الرأسمالي». كما وصفت بأنها: «رواية طوباوية سياسية ولوحة ملحمية هائلة، حيث تتحرك على خلفية الأحداث التراجيدية ذات الأهمية العالمية، شخوص مرسومة بصورة اصطلاحية مثل الخطوط المنقطة ».
يروي لندن حكاية بطل الرواية إرنست ايفرهارد بعد مقتل زوجته التي كانت قد تحدثت ممهدة: «عقدت العزم على أن أفرغ، في فترة الانتظار القلق هذه للكتابة عن زوجي. إن ثمة ضوءا كثيرا أستطيع أنا وحدي من دون جميع الأشخاص الأحياء أن ألقيه على شخصيته».
وكأن جاك لندن هنا يضع نفسه محل بطل الرواية وينعى نفسه مبكرا، وأن ثمة من سيسرد حكايته. فبطل الرواية يرى أنه حين يطلق كلمة السر ستنهض جماهير العمال في أرجاء العالم كله. وتضيف زوجته عنه: «كان روحا عظيمة، وحينما يصبح حبي عاريا عن الأنانية لا آسف على شيء مثل أسفي، لأنه ليس هنا حتى يشهد فجر الغد. كان البناء الذي بناه أقوى وأوثق من أن يجعل الإخفاق جائزا.. الويل ـ للعقب الحديدية ـ إنها سوف ترد وشيكا عن الإنسانية المنبطحة على الأرض خائرة القوى».
1912
وتتحدث زوجة إرنست كيف تعرفت على زوجها عام 1912، وتدعو الآخرين إلى اكتشافه كما اكتشفته هي، وكيف أثـّر في الآخرين، فهو حين يجادل الميتافيزيقيين وفلسفتهم يحجمهم.. ويرى أنهم لم يقدموا خدمة للجنس البشري. معتوهون وفوضويون في دنيا الفكر ويفزعون إلى وجدانهم لكي يفسروا ذواتهم ويفسروا الكون.
فلسفات
وتسرد زوجته قائلة: «كان الزعيم المعترف له بالسبق في فلسفة الاشتراكية، وكان لا يزال في العاشرة من العمر عندما مضى ليعمل في المصانع، كان ذا ثقافة ذاتية، رزقه هزيلا من طريق ترجمة المؤلفات العلمية والفلسفية، أبهجتني براعته وأفزعتني في وقت واحد معا، طائش حتى لقد وجدت نفسي أعتبره حبيبا وزوجا». فكان إرنست لهذا وذاك يفحم الرجال في النقاش ونبرة الحرب في صوته، واثقا ومقوضا لهم رضاهم عن أنفسهم.
خاصة فيما يتعلق بالصراع الطبقي، وصل تأثيره إلى رجال الجامعات والكنيسة الذين يدافعون عن النظام الرأسمالي، ذلك النظام الذي وصفه بنظام أخلاقية الجشع الخنزيري، واصفا الكنيسة بالابتعاد عن مبادئ المسيح، لأن الكنيسة تغض الطرف عن الوحشية الرهيبة التي تصطنعها الطبقة الرأسمالية في معاملة الطبقة العاملة، مهملة للوصية «أطعموا حملاني! » ورغم اعتراض الأسقف مورهاوس على ذلك في البداية إلا أنه انصاع لصوت الحق فهجر الكنيسة وتبنى آراء إرنست وأصبح مطاردا مثله مثل الكثيرين أمثاله.
دافع إرنست عن العامل جاكسون الذي بترت ذراعه أثناء العمل وأصبح معاقا ولم يحصل على تعويضات، لأن أرباب العمل ذوي الأوجه الثعلبية لا يريدونها سابقة تفتح عليهم أبوابا مغلقة، وأبعدوا قضيته عن الصحافة، وهاجم إرنست محامي الشركات الفاسدين الذين يلوون أذرع الحقيقة ويرون أن القانون شيء والحق شيء آخر فندد بهم وبأرباب العمل مستاءً: «إن حضارتنا التي نفخر بها مبنية على الدم، منقوعة بالدم، وليس في وسع أحد الهروب من اللطخة القرمزية».
معسكران
وسرعان ما تحولت الأمور إلى معسكري الطبقة العاملة والعدو، بعد أن تعذرت الأمور لإيجاد قواسم مشتركة بين الفريقين، هاجر فيها مَن هاجر واختبأ فيها مَن اختبأ وتحولت إلى حرب طاحنة بين الجائعين والمتخمين.. واشتعلت حرب كثرت فيها المطاردات وسالت فيها الدماء غزيرة في الشوارع، وكان من أبرز ضحاياها إرنست نفسه.. وبلغ اشتراكيو سائر العالم أكثر من ثلاثة وعشرين مليونا يوحد بينهم الجوع وفقدان العدالة وأهمها عدالة الأجور.. فكان صوت إرنست طاغيا ويتردد صداه: «أخفقتم في تدبير أمر المجتمع، وحولتم الحضارة إلى مسلخ وكنتم عميانا وشرهين.. ».
ومن ثم يلتقي بصوت وصدى إبراهام لينكولن قبل مصرعه: «إني ألمح في المستقبل القريب أزمة زاحفة تخلع فؤادي وتوقع الرعدة في أوصالي جزعا على سلامة وطني، إن الشركات توجت وإن عهدا من الفساد في الدوائر العليا سيتلو، وإن سلطة المال في البلاد ستحاول إطالة حكمها من طريق استغلال أحقاد الناس، حتى تتجمع الثروة في أيد قليلة وحتى تنهار الجمهورية».





