00
إكسبو 2020 دبي اليوم

ملحمة جلجامش .. هواجس الإنسان المأخوذ بالخلود

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ خلق الإنسان وأسئلة كثيرة تتزاحم في رأسه، باحثة عن أجوبة مقنعة تريح فكره، جلها يدور حول رحلته القصيرة في الحياة، وما ينتظره بعد الموت، وما يحيط به من أشياء وظواهر، حركت في ذهنه هواجس لا حصر لها، تدور في غالبيتها حول أسباب وجوده ومعناه وما ينتظره بعد رحلته القصيرة في الحياة.

العديد من هذه الإرهاصات أخذت طريقها إلى فنونه وآدابه وأساطيره وحكاياته، وفي مقدمها ملحمة جلجامش (كلكامش): Gilgamesh السومرية المكتملة في صيغتها فنياً ومضمونياً، التي كان ظهورها في شكلها النهائي المكتمل على اثني عشر لوحاً أو رقماً، نحو نهاية الألف الثانية قبل الميلاد، وذلك في صيغتها التي استخرجها الآثاريون من مكتبة قصر الملك آشور بانيبال في مدينة نينوى، وهي في العموم، تجسد وتعكس هواجس الإنسان المأخوذ بالخلود.

فلسفة الحياة

ملحمة جلجامش، قصيدة شعرية مدونة بالخط المسماري، تعد من أهم النتاج الفكري لحضارة ما بين النهرين، ومن أقدم نماذج أدب الملاحم في تاريخ الحضارات القديمة. يرجح المؤرخون أنها تعود لأكثر من مرحلة زمنية، فهي بخيالها ونصوصها نتاج بابلي، لكنها تحتوي أيضاً على نصوص سومرية. ويذهب العديد من الباحثين للاعتقاد أن بطلها جلجامش شخصية حقيقية تعود لأحد الملوك الذين حكموا بلاد سومر. وهي شخصية تتسم بالشجاعة وحب المغامرة. وتتألف الملحمة من 3500 بيت موزعة على ثلاثة أبواب: الباب الأول تدور أحداثه حول الأعمال البطولية لجلجامش ورفيقه أنكيدو. والباب الثاني يروي قصة الطوفان العظيم وحصول رجل الطوفان على الخلود. الباب الثالث يتحدث عن مسألة الموت والعالم السفلي.

ويحصر الباحثون ملحمة جلجامش في مجموعتين: المجموعة الأولى سومرية وتتألف من جلجامش وآغا Agga ملك كيش، وجلجامش وحواوا Huwawa، وجلجامش وأنكيدو Enkidu وثور السماء، وأنكيدو والعالم السفلي، وموت جلجامش، وموت أنكيدو. أما المجموعة الثانية فهي موضوعة باللغة الأكادية النينوية.

وبشكل عام، يمكن القول إن أبرز خصائص ملحمة جلجامش هي تأكيدها أسلوب الحياة والمفاهيم الدينية، وبلورتها فلسفة الحياة البابلية، وكان لها تأثيرها العميق في كثير من أساطير الآلهة والأبطال الإغريق، ويعزو عدد من الباحثين كثيراً مما ورد في الكتب المقدسة إليها.

مصدر إلهام للآداب والفنون

شكلت ملحمة جلجامش على مدى أحقاب زمنية مختلفة، مادة استلهام للعديد من أجناس الأدب والفن (التقليدية منها والحديثة) ولا تزال تفعل فعلها في الثقافة العالمية المعاصرة عموماً، والعربية خصوصاً، إذ استلهمتها الموسيقى والأغنية والأوبرا والمسرح والسينما والدراما والشعر والرواية وأدب الأطفال والفنون التشكيلية، إذ حاول العديد من الفنانين التشكيليين المعاصرين، ترجمة أحداثها ومراميها، إلى رسوم ولوحات ومحفورات مطبوعة ومنحوتات نافرة وغائرة ومجسمة، وبعضهم كرس لها معارض كاملة، وتبقى هذه الملحمة حتى الوقت الحالي، موضوعاً أثيراً للفنون التشكيلية بشقيها: العملي والنظري. إذ أخذت طريقها إلى رسائل عدة ماجستير وأطروحات دكتوراه في كليات الآداب، وأكاديميات الفنون الجميلة العربية والعالمية، ويبدو أنها ستبقى موضع بحث دائم ودراسة مستفيضة، لما تثيره أحداثها من أسئلة وهواجس تطول قضايا لصيقة بوجدان الإنسان وفكره وعقله وروحه. أي بكيانه المادي والروحي والحياة التي وجد فيها، ورغبته الشديدة بأن لا يغادرها أبداً.

لوحات ورؤى

انشغل الفنان التشكيلي العربي عموماً، والعراقي خصوصاً، بملحمة جلجامش كونها جاءت من أرضه، لذلك عكفت غالبية التشكيليين العرب على استلهامها في أعمالهم، وبعضهم كرس لها معارض كاملة، كالفنانين العراقيين: ضياء العزاوي ورافع الناصري وماهود أحمد الذي نفذ مجموعة أعمال متميزة من الرسوم التوضيحية، والمحفورات المطبوعة واللوحات المستلهمة من أحداثها وأفكارها، كما أنجز التشكيلي العراقي المقيم في ألمانيا داوود سلمان عناد 13 محفورة منفذة ومطبوعة بوساطة الحجر(ليتوغراف) ضمنها معرضاً شخصياً، جسد فيها رؤاه للقاء الذي تم بين ملك سومر جلجامش وابن البراري أنكيدو، والصراع الذي نشأ بين الاثنين، كما أظهر في لوحاته عشتار وحكايات البحث عن الخلود. وأنجز التشكيلي العراقي رعد فليح معرضاً مؤلفاً من 36 لوحة جسد فيها ما استلهمه من ملحمة جلجامش، بأسلوب يجعل من قارئها يتخيل الأجواء التي كان يعيشها جلجامش.

ومن الذين استلهموا هذه الملحمة الخالدة، الفنانة التشكيلية الفلسطينيّة الشابة رندة الطاهر، إذ جسدت في عمل فني خزفي رحلة جلجامش في البحث عن الخلود، طارحة من خلاله فكرة الأسطورة، التي تخاطب العقل البشري، اعتماداً على مبدأ الخلق والتكوين، وصولاً إلى انعكاس روح الموضوع ضمن إطار فلسفي يصب في قالب فن حديث.

وفي التشكيل السوري المعاصر، استلهم ملحمة جلجامش العديد من الفنانين يأتي في مقدمهم: الفنان الراحل أحمد وليد عزت، سعد يكن، أيمن اسمندر.. وهذا الأخير أنجز لوحة جارية كبيرة بالألوان الزيتية احتضنتها أروقة كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، ردحاً من الزمن (وهي الكلية التي درس فيها فن الرسم والتصوير وعلومهما النظرية)، فحصل منها على درجة الإجازة، فالماجستير التي أعدها حول الأساطير في بلاد ما بين النهرين، ثم تابع في أطروحة الدكتوراه توغله في الحضارات السورية القديمة، فتوقف عند رأس شمرا (أوغاريت) التي بحث في فنونها، واستلهم منها مشروعه العملي، أما جدارية جلجامش فتوجت الجانب العملي لرسالة الماجستير، التي أعدها، وجسد فيها أحداث الملحمة بأسلوبه الواقعي التعبيري، معتمداً على الوثائق التاريخية، التي تناولت هذا الموضوع، سواء من الناحية الفكرية أو البصرية، من دون أن يغفل تضمين جداريته رؤاه الخاصة حول جملة ما تطرحه الملحمة من قضايا.

واعتمد الفنان اسمندر في معالجة مفردات جداريته على الألوان المرصوفة بحركية وانفعال، وكانت الألوان وسيلته الرئيسة في بناء معمارها التشكيلي والتعبيري، وغلبت عليها الألوان الزرقاء والخضراء ومشتقاتهما. أما معالجته للشخوص فاعتمد فيها على الوثائق البصرية التاريخية، ولكي يؤكد ماهيتها، وشّى ثياب الشخوص وبعض أركان الجدارية، برموز الحضارة التي أنتجتها.

أما الفنان التشكيلي السوري سعد يكن، فأنجز معرضين مكرسين لملحمة جلجامش أقامهما العام 1997: الأول في صالة الجابري بحلب.. نفذ أعماله بالألوان، والثاني نفذ أعماله بالأبيض والأسود ونظمه في صالة قواف بحلب أيضاً، ثم نقلهما إلى (دمشق) و(لوس أنجلوس) في الولايات المتحدة الأميركية.

اعتمد الفنان يكن في التعبير عن أجواء ملحمة جلجامش، على حركة الشخوص وتموضعها في تكوين اللوحة، الذي أتقن قطوعاته، وهذه ميزة رئيسة في تجربته الفنية القائمة (في الأساس) على الخط (الرسم) الذي به ومن خلاله، يبني عمارة لوحته، ثم تأتي ألوانه (التي يمكن حصرها في عدد محدود من الفصائل، منها: الأحمر الناري والأبيض والأزرق والأسود ومشتقاتها)، لتوشي هيكلية شخوصه، من خلال لطشات انفعالية مفلوشة بتلقائية، لكن في الموضع المناسب من الهيئة واللوحة.

من جانب آخر، يولي الفنان يكن جل اهتمامه لمعالجة ملامح الوجوه والأطراف في شخوص لوحاته، وهو بارع في استنهاض علاقة متوافقة ومنسجمة بين ألوانه، رغم تضادها. هذه الصيغة في المعالجة، استخدمها أيضاً في أعماله المستلهمة من أجواء ملحمة جلجامش، بحيث يمكن القول إنه من دون الاستعارات البصرية، التي أخذها من مرجعيات الملحمة التاريخية، لا يمكن الاهتداء إلى روحها، ذلك لأن سعداً أخضع أعماله عنها، لأسلوبه الفني الخاص الذي وسم موضوعات فنه السابقة التي تمحورت (في غالبيتها) حول مشاهد المقاهي والملاهي الحلبية، وأهل الغناء والطرب، والسيدة العذراء والسيد المسيح والقديسين.

طباعة Email