" الدون الهادئ" .. الأدب مغردا خارج سرب السلطة

ثلاثون عاما مرَّت على وفاة الأديب الروسي ميخائيل شولوخوف (1905 1984)، مثلما تمر أيضاً ذكرى 15 أكتوبر من عام 1965 التي منح فيها جائزة نوبل على ملحمته الشهيرة »الدون الهادئ« والتي تحفل بأكثر من 600 شخصية تَصف حياة القوزاق ومعاناتهم.

وهي الرواية التي نصحنا أدباء ومثقَّفون في السبعينيات من القرن الماضي، لنقرأها، إلى جانب روايات مثل: كيف سقينا الفولاذ، وداعاً ياغوليساري، الثلج الحار، صدى الحرب والغجري، الهزيمة. واللافت أنه قضى شولوخوف في إنجاز هذا العمل، حوالي 12 عاماً في كتابتها 1928 ـ 1940.

وتصنف الرواية، بحكم طبيعة مضمونها وما لقيه مؤلفها من ملاحقات وأخطار، الرواية التي تحدت فغردت خارج سرب أدب (الواقعية الاشتراكية)، في زمن كان ذلك ضربا من الجنون في روسيا (زمن الاتحاد السوفييي).

ملاحقات ومعاناة

على أنَّ هذه الملحمة الروائية كانت ستودي بحياة شولوخوف لولا تدخُّل جوزيف ستالين شخصياً، لأنَّها كسرت قاعدة أدب الواقعية الاشتراكية.

فبطلها غريغوري كان منشقاً وحارب الشيوعية رغم مطالبة القرَّاء والسياسيين السوفييت بإعادته إلى الحزب، ولمَّا لم يستجب لهم، كرر المسؤولون الأمنيون في منطقة الدون محاولات تصفية شولوخوف، الذي فرَّ إلى موسكو والتقى ستالين وروى له ما حدث..

فجمع ستالين أعضاء المكتب السياسي ومن ثم أجرى تغييرات في القيادات الأمنية على خلفية مخطط التصفية. وكان شولوخوف التقى بستالين ثلاث مرات بين عامي 1937 و1938. وطرح أمامه موقفه من حملة الاعتقالات التي تعرَّض لها المثقفون رغم كيد القيادة الحزبية والأمنية واتهام أعضائها شولوخوف بممارسة النشاط المعادي للنظام.

في»الدون الهادئ« يصف شولوخوف صراع البِيض مع الحُمر في القوزاق، فنراه/ نرى ميخائيل شولوخوف ينحِّي المثقَّفين جانباً - رغم انَّه توَّسط لهم عند ستالين- وطبعا ذلك لولا معلِّم المدرسة في تلك القرية القوزاقية، ووصول (شتوكمان) الذي يدير مؤسَّسة آلات للخياطة..

والذي يتبنَّى قراءة ودراسة - تدريس ماركس مع زعيمين من الحمر: ميشيكا كوشفوي وإيفان كوتلياروف، بصفتهما وجهين ثوريين متعلمين، إذ يرتبطان بعلاقة صداقة قوية مع غريغوري ميلتكوف بطل الدون الهادئ. ولا ندري لماذا لم يعر شولوخوف - المثقَّف - أهمية في مثل هذه الرائعة الأدبية كرواية متحت مادتها من الطبيعة.

إذ بقدر ما كشفت عن العلاقة الغريزية بين الناس/ البشر وأرضهم، وعشقهم لنهرهم الذي اسمه (الدون الهادئ)، بقدر ما حيّدت، فعليا، المثقَّف الذي عوَّل كثير من الروايات السوفييتية، روايات الواقعية الاشتراكية، عليه كمستقبل أوَّل دولة شيوعية في العالم .. دولة بدأت بداية قوية واستمرَّت تعيش قرابة ثلاثة أرباع القرن، فصارت خلالها (قوة عظمى)..

ولا سيما أنَّ شولوخوف لم يلبس قميص هذه الواقعية إلا فيما ندر في المناسبات الثورية.. واعتمد في نسج روايته الدون الهادئ، على بطل شعبي غريغوري، شخصية جاء بها من خارج النسق الحضاري لثورة أكتوبر 1917، شخصية تثور وتغضب بأوامر من قلبها لا من عقلها، شخصية انفعالية.

. شخصية فوضوية نزقة لم تكمِّل تعليمها في (كنيسة) القرية.. إلى آخره. ولولا أنَّ غريغوري عشق أكسينيا استاخوفا التي تحتقر زوجها ستيبان الذي يهينها ويعذِّبها، فوجدت في غريغوري ضالتها كعاشق من طراز الشرسين الأوفياء لمعشوقتهم...

إكسينيا هذه جَوْهَرَتْ/ أبرزت الإنساني الذي فيه الحياة، الذي فيه حب الأرض الذي يسكن أعماق غريغوري، الذي هو ابن طبقة من التجَّار (آل ميلكوف). إذ كانت تلازمه هذه القاعدة التي جُبل عليها القوزاق: (أنت قوزاقي، لذا عليك ومن أجل أرضك أن تقتل من دون رحمة، لأنَّ لك حقاً في قتل العدو في ساحة المعركة، وأنَّه كلما قتلت رجلاً في الحرب، غفر الله لك خطيئة).

هذه القاعدة نرى ضوءها يلمع في قلب غريغوري، عندما يأمر القائد (بودتولكوف) بقتل الضباط الأسرى. فيتخلى عن شيوعيته، وينظر غريغوري إلى بودتولكوف والى الروس عموماً، على أنَّهم غرباء.. فينقلب على القائد - قائده البلشفي هذا، ويشارك في الثأر منه، الثأر المرعب الدامي.

ما يعني أنَّ شولوخوف هو ليس مع الشيوعية أو مع أي حزب أو أي مذهب أو أيديولوجية؛ كانت ما تكون.. فيهرب غريغوري، ويصير مرتداً، مرتداً على مأساته، ولا يستطيع الخروج منها، إذ إنَّ الثورة عندما تنجز بعضاً من مشروعها، وتقضي على البيض، ومن ثمَّ تنزع الملكية، نرى غريغوري طريد ثورة 1917 يفضِّل أن يلتحق بعصابات (فومين) على أن يكون سجيناً. وبذا، لا يبقى له سوى معشوقته إكسينيا..

غير أنَّ شولوخوف لا ينهي أحداث الرواية هنا، بل يذهب، يمضي، فيمدِّد لغريغوري، وقبيل العفو الذي تمنحه ثورة 1917 في مناسبة عيد العمال العالمي، نراه، نرى غريغوري يتراجع عن قراره، وكأنَّه كان عليه أن يعيش مع الثورة - لا أن يعيشها. فيلقي ببندقيته، وبمسدسه مع ما فيهما من طلقات في نهر الدون، ومن ثمَّ يعبره ليلتقي بولده الصغير (ميشتكا) الذي يكون واقفاً على باب بيته.

في الدراما

2015 وافقت وزارة الثقافة الروسية، في السنوات الاخيرة، على خطة لتمويل مسلسل تلفزيوني من 12 حلقة للمخرج سيرغي أورسولياك، عن رواية »الدون الهادئ« ليُعرض هذا العام 2015 بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ110 لميلاد الكاتب. وكانت الرواية قد تحوَّلت إلى فيلم سينمائي عام 1958، بطولة:

الممثِّلة ألينا بيستريتسكايا والممثِّل بيوتر غليبوف. ثم أخرج الراحل سيرغي بوندارتشوك، الحائز على جائزة الأوسكار، الرواية للسينما. لكن الموت أدركه قبل الانتهاء. فتابع إنجاز العمل ولده، الممثل والمخرج فيودور بوندارتشوك، وعرض الفيلم عام 2006.

1930 اقتبست الرواية، واستلهمت في اعمال سينمائية عديدة، لتجسد على الشاشة، ثلاث مرات، منذ بروزها، في الفترة الاولى:

1930: وهو فيلم لايفان برافوف وأولغا بريو برازين سكايا.

1957

1958 فيلم مستوحى من »الدون الهادئ« للمخرج سيرغي غيراسيموف تحت العنوان نفسه. شاركت في تمثيله نجمة السينما السوفييتية ألينا بيستريتسكايا، حيث لعبت دور بطلة الفيلم آنيسيا. وأدى دور البطل (غريغوري ميليخوف): الممثل بيوتر.

1992في السينما كان هذا الفيلم نسخة جديدة لسيرغي بوندارتشوك. مأخوذة من الفيلم السابق. وهو من بطولة روبرت ايفرت. وانجز في العام 2006.

تعليقات

تعليقات