«في المحصلة، نحن نُشكل أنفسنا تبعاً لأفكارنا عن الاحتمالات المتوافرة». هذه مقولة لبطل رواية «في منعطف النهر» للروائي فيديادر سوراجبراساد نيبول، البريطاني الجنسية- الهندي الأصل، الذي أسهمت روايته تلك، بدور رئيس في فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 2001.
والتي عدتها المكتبة الحديثة، المصنفة من بين أبرز دور النشر الأميركية عام 1998، في المرتبة الـ 83 من أصل أفضل 100 رواية كتبت بالانجليزية في القرن العشرين. إن الرواية، طبقاً لرأي النقاد، وبفعل عمق تناولها ومعالجاتها، بمثابة حكاية مؤثرة لمهاجر يبحث عن هويته وقيمته الفكرية والإنسانية.
بين محورين
يأتي تميز هذه الرواية ودخولها بوابة الأعمال الخالدة، من قدرة نيبول على جمعه بين محورين، على التوازي، سيرورة التاريخ من جهة، والهوية الفردية للإنسان وبحثه عن الانتماء من جهة أخرى. وعليه فإن قيمة روايته مستمدة من التساؤلات التي يلخصها أحد النقاد بمقولة «الإنسان الرفيع الشأن لا يرتقي إلى الأعلى، بل يوغل في العمق» للأديب الفرنسي جان كوكتو «1889-1963».
يفتتح نيبول روايته: «العالم على ما هو عليه، والبشر الذين يُعتبرون لا شيء والذين يسمحون لأنفسهم بالتحول إلى لا شيء، لا مكان لهم فيه». والذي يعكس تأملات البطل والراوي سليم، هندي الأصل الذي يعيش في الساحل الشرقي لأحد البلدان الإفريقية التي تحررت لتوها من الاستعمار، والذي يتيح رصد التغيرات من خارج الحدث وداخله.
بحر الظلمات
يرصد المؤلف في عمله، ومن خلال التحولات العامة والخاصة السريعة، بداية نشأة أمة، ذلك عبر استعراضه مجموعة من التحديات والصدمات والحقائق والإيديولوجيات ولعبة السياسة والفساد، ليأخذ القارئ إلى بحر من الظلمات.
وتكمن خصوصية «في منعطف النهر» أيضاً، في تناولها إشكالية المهاجرين من أصول هندية الذين استقروا في الشرق من إفريقيا، منذ أكثر من ألف عام، أو أولئك الذي جلبهم المستعمر البريطاني في القرن التاسع عشر، للعمل على إنشاء سكة الحديد. ويقترح بطله سليم، العديد من الحلول لإشكالية اقتلاع أنفسهم واختيار وطن جديد لهم. ومن تلك الحلول، اختيار بلد متحضر وقوي يعيش فيه المهاجر بأمان، ويستمد منه نفوذاً أكبر، كبريطانيا أو أميركا.
إشكالية الهوية
يجد سليم نفسه في مأزق لم يخطر له على بال. ويتمثل في إشكالية هويته وانتمائه، ذلك مثله مثل بقية المجتمعات التي عاشت في إفريقيا، كالعرب والإيرانيين، على مدى أجيال. خاصة وأنه مثل بقية الأقليات التي لم تنصهر بالعرق الإفريقي أو ترتبط بمواجهة مع المستعمر. وعليه، تجد نفسها في المرحلة الجديدة، ضمن الدائرة المغلقة نفسها، خارج التفاعل مع الأحداث الاقتصادية أو السياسية.
وما لم يكن في حسبان تلك المجموعات، الخلل الذي برز بمغادرة المستعمر وزيادة نفوذ السكان الأصليين، ما دفعهم إلى التفكير بالمغادرة. وبالطبع نظراً لشعورهم بالاستعلاء على وطنهم الأم، فإن فكرة العودة إليه غير واردة.
حلم الاستقرار
يطرح سليم على نفسه مجموعة من التساؤلات التي يحاول من خلالها معرفة هويته الداخلية والخارجية، أسوة بمن عاش بعيداً عن وطنه، لتمزقه الحيرة بين دافع الحاجة لرصيد من الماضي، ودافع نسف تاريخه وتشكيل الحاضر من جزيئات وهم اللحظة.
وحين يعرض نصرالدين على ابن أخيه سليم، شراء محله عند منعطف النهر، لكونه راحلاً للاستقرار في بريطانيا، لا يتردد الأخير في القبول، لشعوره أن شراءه المحل يقربه من تحقيق حلمه في الاستقرار في أحد البلدان الأوروبية.
ويعيش تجربة إنسانية مختلفة لدى سفره بسيارته «البيجو» إلى داخل إفريقيا لاستلام محل عمه، حاملاً معه قناعاته المسبقة، بأنه يسافر من الحاضر إلى الماضي، وحالماً بالحياة المدنية للأوروبيين التي وصفها له عمه داخل إفريقيا، والمقصود هنا الكونغو.
عنق الزجاجة
يزور سليم، لاحقاً، عمه في لندن، على أمل الحصول على إقامة دائمة. ويكتشف لدى وصوله، أن أوروبا الواقع ليست كما في مخيلته.إذ يجد بيئة قاسية متقلصة طاردة.
ويصدم خلال تجواله في لندن، بأن المدينة مزدحمة بسكان غير أصليين مثله، قصدوا المدينة هرباً من إفريقيا. وفي حين قدمت المدينة إلى هؤلاء القادمين فرصاً موضوعية ومعايير أفضل من إفريقيا، هم يعيشون على هامش المجتمع، معزولين عن الحياة السياسية.
قناعة وخيار
يتقبل سليم كل هذه التناقضات، من دون ثورة، بل إنه يصادقها (التناقضات) ويلوم الضحايا على مشاكلهم.
ويقرر العودة إلى إفريقيا مكتفياً بفكرته التي اعتبرها كافية ليكون جزءاً من الاقتصاد والحياة العالمية، ويبدأ بأعمال التجارة في التصدير للعاج والذهب. ويتعامل مع كبار المسؤولين وتجار السلاح الأوروبيين، بما يحمله هذا العمل من خطورة، متجاهلاً واقع البلد وسيرورته، وفي الوقت نفسه، هويته وتاريخه وماضيه.
منحة حكومية
حين بلغ فيديادر سوراجبراساد نيبول، السابعة من عمره، انتقلت أسرته إلى العاصمة حيث التحق بمدرسة تعتمد المنهج البريطاني. ثم فاز بمنحة حكومية أهلته للدراسة في أعلى معاهد حلف الكومنويلث البريطاني.فبدأ في أوكسفورد محاولات الكتابة دون ثقة بالنفس. ثم، وبعد عام 1952، وبمساعدة باتريشيا آن هيل، استطاع تجاوز أزمة مرت به وعاد إلى الكتابة.
أصوات كاريبية
انتقل نيبول إلى لندن في عام 1954 وعمل كمقدم للبرنامج الأسبوعي «أصوات كاريبية» في إذاعة بي بي سي. ومن ثم تزوج صديقته باتريشيا. وإلى جانب الإذاعة، كتب عروض الكتب وأجرى مقابلات. وفي تلك الفترة كتب قصته الأولى «شارع ميغيل». وبدأ مشواره الأدبي عندما طلب منه كتابة رواية تنشر على حلقات، والتي سلمها عام 1955، وحصل مقابلها على 135 جنيهاً استرلينياً.
سيرة نيبول
حاز الروائي البريطاني الجنسية، والمولود في ترينيداد عام 1932، فيديادر سوراجبراساد نيبول، على جائزة نوبل للآداب عام 2001، لقدرته، كما قال القائمون على الجائزة، على تناول التاريخ غير المعلن بأسلوب يطرح العديد من التساؤلات وإعادة النظر في الكثير من المعطيات. ولديه أكثر من 30 كتاباً في أدب الخيال والأدب الواقعي. ويعد من الجيل الثاني لعائلته التي بدأت بهجرة من الهند، للعمل كخدم بالسخرة في مصانع السكر بترينيداد.
أقوال نيبول
Ⅶ من الجذاب للناس، اختيار دور الضحية، بدلاً من التفكير بكيفية الخروج من المأزق بأكمله، والتفكير بتاريخك وجماعتك وبما تفعله.
Ⅶ الوطن، مجرد فكرة طفولية، معناه وجود بيت تعود إليه في المساء، ومصباح، ومكان آمن.
Ⅶ يكفي قراءتي لفقرة أو اثنتين، لأعرف إن كان الكاتب امرأة.




