«حكاية مولان» أيقونة الصين الملهمة

صورة

 تدثر جسمها بواكير الأنوثة، ويصدح صوتها بنغمات المشيئة الحائرة. غدت الفتاة امرأة، وطلب والدها من وسيطة الزواج أن تدبر زوجاً لها. هكذا كانت التقاليد في الصين في القرن السادس الميلادي. لكن مولان الحالمة رفضت الزوج الذي تختاره الوسيطة، فغضب عليها والدها واعتبرها عاراً.

قصيدة مولان

في قديم الزمان، في قرية بشمال الصين، جلست مولان تنسج على النول ووجها إلى الباب. لا صوت غير صوت المغزل ثم تنهداتها الحزينة. سألتها أمها: ماذا يزعجك، يا مولان؟ أجابت: لا شيء. سألتها ثانية: من يشغل قلبك؟ أجابت: لا أحد. من يشغل عقلك؟ أجابت: لا أحد. عاد صوت المغزل دون التنهدات.

لا أحد في قلبها، لا أحد في عقلها، ماذا يقلقها؟ قالت مولان أخيراً: يهاجم الغزاة الصين، والامبراطور يدعو إلى حشد جيش كبير. يريد من كل بيت مقاتلاً، ويدعو المحاربين القدماء إلى الجيش. قرأت في السوق اللوائح بأسماء المحاربين القدماء، قرأت اسم والدي فيها.

تنهدت مولان وقالت: والدي عجوز وضعيف، كيف يقاتل؟ أخي صغير لا يستطيع أن يقاتل. أخاف على والدي، عليه أن يلبي نداء الامبراطور. لن أدعه يذهب الى الحرب، سأذهب بدلاً منه. سأشتري حصاناً وسرجاً. وبالفعل اشترت مولان حصاناً من السوق الشرقي، وسرجاً من السوق الغربي، ولجاماً من السوق الشمالي، وسوطاً من السوق الجنوبي. وفي الفجر لبست الدرع وامتطت الحصان وقالت لوالديها وأختها وأخيها وداعا.

في معسكر الجند على ضفة النهر الأصفر، وفي سكون الليل، لم تسمع صوت والدها يناديها. سمعت خرير مياه النهر الأصفر. في الفجر استأذنت النهر الأصفر وجرت لمحاربة المعتدي. وصلت إلى الجبل الأسود، ولم تسمع صوت والدها، سمعت صهيل جياد البدو وهم يستريحون. قطعت عشرات الآلاف من الأميال وهي تحارب. عبرت الجبال والوديان كالطائر. لم تسمع صوت والدها، سمعت عصف الرياح وقعقعة أوعية الطعام المعدنية.

اثنا عشر بطلاً

أشعة الشمس المرتجفة من البرد تلمع فوق درعها وهي تستبسل. دحروا العدو بعد عشر سنوات، وسقط مئات المحاربين في المعارك. لم يبق غير اثني عشر بطلا. كافأهم الامبراطور ووزع عليهم المناصب والمال. سألها عن رغباتها. لم ترغب بمنصب أو مال، طلبت جواداً سريعاً ليحملها إلى أسرتها.

وقف والدها يتكئ على أمها خارج الجدار ليستقبلها، ووضعت أختها الأصغر منها المسحوق الأحمر فوق شفتيها، وشحذ أخوها السكين لنحر الخروف والخنزير فرحاً بعودتها.

فتحت مولان باب الغرفة الشرقية، وجلست على الأريكة في الغرفة الغربية، ثم نزعت الدرع وارتدت ثوبها القديم. نظرت من النافذة وهي تسرّح السحاب في شعرها، وقفت أمام المرآة ووضعت البودرة الصفراء فوق وجنتيها ثم خرجت لتقابل رفاقها الذين انذهلوا ولم يصدقوا أن المقاتل الشجاع الذي حارب معهم هو امرأة.

الأنثى المحاربة

حافل تاريخ كل شعب بالقصائد والقصص عن بطولات المرأة وقيامها بأعمال الرجل في ساحات الوغى. لكن هذه القصيدة تتميّز عن غيرها بأنها تمثل الرد الشعبي العفوي على بعض الأعراف الصينية القديمة التي تنتقص من قدر المرأة وتعتبرها عاراً ومن الأفضل وأدها في مهدها.

كما تمثل التعبير الإنساني الوجداني الذي يقدم الدليل على أن الابنة الصالحة مثل الابن الصالح، تجلب العزّ والفخر حتى في الحرب، والابنة العاقة مثل الابن العاق تجلب المذلة والمهانة لأسرتها. يضاف إلى ذلك أنها تؤكد على أهمية روابط الود بين أفراد الأسرة كأساس النهضة في المجتمع: ترفض مولان المنصب والجاه وتريد أن تعود الى أسرتها.

لهذا شدا الشعراء الجوالون بها أكثر من عشرة قرون واستلهمها المبدعون في الأدب والفنون. وما يشد القارئ إليها الشعر الرقيق والموحى، الذي تشارك في صياغته السماء والطيور والأنهار والجبال والرياح والحيوانات. وما يثير في نفسه التعاطف مع بطلتها موقفها من والدها الذي يعاملها كالعنزة الجرباء، فترد على قسوته بالحب والغيرة والتصميم على أن تحل محله في الحرب. لذلك لا نستغرب أن نسمع صوته يقطع السهول والوهاد والجبال هادرا: مولان.. مولان.

مولان الرومانسية

تحولت هذه القصيدة في القرن السادس عشر إلى مسرحية «الأنثــى مولان تذهب إلى الحرب» على يدي الشاعر الصيني إكسو دي الذي حافظ على روح القصيدة ومغــــزاها وبجّل شخصية مولان. بيد أن الشاعر تشـــو رينهو أضاف إليها الحب الرومانــــسي بين مولان والكابتـــن لو تشانغ الذي يشعر بحبها مع أنهـا تكتمه في أعماقها. كما غيّر النهاية السعيدة الى مأســـاة.

وعنـــدما تعــود مولان الى أسرــــتها، تصاب بالصدمة. تجد أن والدها قد مات وأمها تزوجت مرة ثانية. ثم يستدعيها الامبراطور الى قصره ويطلب منها أن تكون محظيته. فتكتب رسالة الى حبيبها تشانغ ثم تنــتحر مفضلة الموت على أن تكون محظية الامبراطور. وقد حافظت المسرحيات والروايات اللاحقة على الحب الرومانسي كمحور ثانٍ للقصيدة، لكنها أسقطت النهاية المأساوية وجعلت الكابتن تشانغ يزورها في منزلها ليطلب يدها من والدها.

مولان والثقافة العالمية

انتشرت قصيدة مولان بسرعة في الثقافة العالمية واكتست بالخصائص الغربية عندما وُضعت الى جانب المحاربة الفرنسية «جان دارك». كما انتشرت بسهولة في الثقافة العربية كقصة تعليمية للأطفال. ونذكر في هذا الخصوص مسرحية «مولان والأمير حسان» التي بدأ عرضها برعاية هيئة الشباب والرياضة في الكويت، في عيد الأضحى سنة2011.

تعليقات

تعليقات